

بقلم ك. آسية درويش
أخصائية اللياقة البدنية وتصميم البرامج التدريبية
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو
في ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ في ٧:٣٠ م
كثير من الناس يبدأون ممارسة الرياضة بحماس كبير، ثم يتوقفون بعد فترة قصيرة. وقد يظنون أن السبب هو ضعف الإرادة أو قلة الالتزام، بينما تكمن المشكلة في كثير من الأحيان في الطريقة التي يبدأون بها.
فالبعض يضع أهدافاً صعبة منذ اليوم الأول، ويمارس التمارين لساعات طويلة، أو يتوقع نتائج سريعة، ثم يشعر بالإرهاق أو الإحباط عندما لا تسير الأمور كما خطط لها.
لكن العلم يخبرنا أن الاستمرارية لا تعتمد على الحماس وحده، وأن أفضل العادات الصحية هي تلك التي يمكننا الحفاظ عليها على المدى الطويل.
فالرياضة لا تحتاج إلى الكمال، ولا يشترط أن تكون شديدة أو مرهقة حتى تحقق فوائدها. والأهم هو أن تجد طريقة للحركة تناسب حياتك، وتستطيع الاستمرار عليها.
فكيف تجعل الرياضة جزءاً طبيعياً من حياتك، بدلاً من أن تكون مرحلة مؤقتة تبدأ بحماس وتنتهي بالتوقف؟
إليك 10 خطوات عملية وعلمية تساعدك على بناء عادة رياضية تدوم.
أولاً: غيّر مفهومك عن الرياضة
الرياضة ليست اختباراً للتحمل، وليست عقاباً بعد تناول وجبة دسمة، وليست وسيلة لتعذيب نفسك من أجل خسارة الوزن أو بناء العضلات.
إنها استثمار يومي في صحتك، يساعد على الحفاظ على صحة القلب والعضلات والعظام، ويدعم الصحة النفسية والقدرة على أداء الأنشطة اليومية.
والأهم أن الحصول على فوائد النشاط البدني لا يتطلب بالضرورة قضاء ساعات طويلة في صالات الرياضة.
يمكن أن يكون المشي، أو ركوب الدراجة، أو السباحة، أو تمارين القوة، أو أي نشاط بدني آخر جزءاً من روتينك اليومي.
وقد يكون البدء بوقت قصير ثم زيادة المدة تدريجياً أكثر فاعلية من وضع خطة مثالية يصعب الالتزام بها.
الفكرة الأساسية: لا تبحث عن التمرين المثالي، بل عن النشاط الذي يمكنك الاستمرار عليه.
ثانياً: الاستمرارية أهم من الحماس المؤقت
قد يدفعك الحماس إلى ممارسة الرياضة يومياً في الأسبوع الأول، لكن الحماس وحده لا يكفي لبناء عادة تستمر لسنوات.
الأفضل هو أن تبدأ بمستوى يناسب قدرتك الحالية، ثم تحافظ على انتظامك.
ثلاث أو أربع مرات أسبوعياً قد تكون بداية جيدة لكثير من الأشخاص، ويمكن زيادة النشاط تدريجياً وفقاً للقدرة والهدف والحالة الصحية.
فالانتظام يساعد الجسم والعقل على التكيف مع النشاط البدني، ويجعل ممارسة الرياضة جزءاً مألوفاً من الروتين اليومي.
تذكّر: تمرين معتدل تستطيع الالتزام به لعدة أشهر، أفضل من تمرين شديد تمارسه لأيام قليلة ثم تتوقف.
ثالثاً: اختر نشاطاً تستمتع به
ليس من الضروري أن يكون الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية هو طريقك الوحيد لممارسة الرياضة.
يمكنك المشي، أو الجري، أو السباحة، أو ركوب الدراجة، أو ممارسة رياضة جماعية، أو الرقص، أو أي نشاط آخر يجعلك ترغب في الحركة.
عندما تختار نشاطاً تستمتع به، يصبح الالتزام به أسهل، لأنك لن تشعر بأنك تؤدي مهمة مفروضة عليك.
الرياضة التي تحبها وتستطيع الاستمرار عليها، أفضل من الرياضة المثالية التي لا تستمتع بها وتتوقف عنها سريعاً.
رابعاً: ابنِ العادة قبل أن تبحث عن النتيجة
لا تنتظر أن تشعر بالحماس كل يوم حتى تبدأ.
حاول تحديد وقت ثابت للنشاط البدني، أو اربطه بعادة يومية موجودة بالفعل، مثل ممارسة التمرين بعد الاستيقاظ أو بعد انتهاء العمل.
يمكنك أيضاً تجهيز ملابس الرياضة مسبقاً، أو تحديد مكان ووقت واضحين للتمرين.
هذه الخطوات البسيطة تقلل الحاجة إلى اتخاذ قرار جديد كل يوم، وتجعل ممارسة الرياضة أكثر تلقائية مع مرور الوقت.
فعندما تتحول الحركة إلى عادة مألوفة، لن تحتاج في كل مرة إلى إقناع نفسك بالبدء.
خامساً: ركّز على فوائد الصحة قبل تغيّر الشكل
يربط كثير من الناس ممارسة الرياضة بالوزن أو شكل الجسم فقط، لكن فوائد النشاط البدني تتجاوز ذلك بكثير.
قد تساعدك الرياضة على تحسين اللياقة البدنية، ودعم صحة القلب، وتقوية العضلات والعظام، وتحسين جودة النوم، وتعزيز الحالة النفسية، وزيادة القدرة على أداء الأنشطة اليومية.
وقد تلاحظ بعض هذه الفوائد قبل أن ترى تغيراً واضحاً على الميزان.
لذلك، لا تجعل رقم الوزن هو المقياس الوحيد لنجاحك.
اسأل نفسك:
هل أصبحت أكثر نشاطاً؟
هل تحسنت قدرتي على الحركة؟
هل أصبح نومي أفضل؟
هل أشعر بطاقة أكبر خلال اليوم؟
هذه المكاسب قد تكون دافعاً قوياً للاستمرار، حتى عندما لا يتغير الوزن بالسرعة التي تتوقعها.
سادساً: ابدأ بالتدريج وارفق بنفسك
ليس من الضروري أن يكون كل تمرين بنفس المستوى من الشدة.
قد تمر بأيام تشعر فيها بالنشاط، وأيام أخرى تكون أكثر إرهاقاً أو انشغالاً.
في هذه الحالات، يمكنك تقليل مدة التمرين أو شدته بدلاً من التوقف تماماً، ما دام ذلك مناسباً لحالتك الصحية.
كما أن زيادة شدة التمارين أو مدتها تدريجياً تساعد على تقليل خطر الإصابات، خاصة لدى الأشخاص الذين بدأوا ممارسة الرياضة بعد فترة طويلة من الخمول.
ولا تعتبر اليوم الأقل نشاطاً فشلاً.
فالهدف ليس أن تكون مثالياً كل يوم، بل أن تحافظ على استمرارك على المدى الطويل.
سابعاً: اصنع بيئة تشجعك
البيئة المحيطة بك يمكن أن تؤثر في قدرتك على الالتزام بالعادات الصحية.
يمكنك ممارسة الرياضة مع صديق، أو الانضمام إلى مجموعة رياضية، أو مشاركة أهدافك مع أشخاص يشجعونك.
وقد يساعدك أيضاً جعل أدوات الرياضة في مكان واضح، أو اختيار مكان قريب وسهل الوصول إليه لممارسة نشاطك.
وجود بيئة داعمة لا يعني أنك لن تتوقف أبداً، لكنه يجعل العودة إلى روتينك أسهل عندما تمر بفترة من الانقطاع.
ثامناً: كن مرناً ولا تجعل التوقف المؤقت نهاية الطريق
لا أحد يستطيع الالتزام بنسبة 100% طوال العام.
قد تمر بظروف عمل صعبة، أو سفر، أو مرض، أو مسؤوليات عائلية، أو ببساطة أيام لا تشعر فيها بالرغبة في ممارسة الرياضة.
وهذا طبيعي.
المشكلة ليست في التوقف المؤقت، بل في الاعتقاد أن التوقف يعني أن كل شيء قد انتهى.
إذا انقطعت عن الرياضة، فلا تنتظر بداية أسبوع جديد أو شهر جديد أو عاماً جديداً.
ابدأ من جديد بخطوة بسيطة.
لا تفكر بمنطق: إما أن ألتزم بشكل كامل أو لا أفعل شيئاً.
فحتى القليل أفضل من لا شيء، والعودة بخطوة صغيرة قد تكون بداية لاستعادة روتينك بالكامل.
تاسعاً: تابع تقدمك بطريقة تتجاوز الميزان
قد يكون الوزن مؤشراً مهماً لبعض الأشخاص، لكنه ليس المقياس الوحيد للتقدم.
حاول أن تلاحظ التغيرات الأخرى التي تحدث مع ممارسة الرياضة.
هل أصبحت تصعد السلالم بسهولة أكبر؟
هل تحسنت قدرتك على المشي لمسافات أطول؟
هل أصبحت أقوى أثناء أداء التمارين؟
هل تحسنت جودة نومك أو مستوى نشاطك اليومي؟
يمكنك تسجيل هذه الملاحظات من وقت إلى آخر، لأنها تساعدك على رؤية التقدم الذي قد لا يظهر على الميزان.
وتذكّر أن بعض التغيرات الصحية تحتاج إلى وقت حتى تظهر بوضوح.
عاشراً: احتفل بالإنجازات الصغيرة
كل خطوة إلى الأمام تستحق التقدير.
أول أسبوع تلتزم فيه بالتمرين، أو أول مرة تمشي فيها لمسافة أطول، أو أول مرة تشعر فيها بتحسن قدرتك على الحركة، كلها إنجازات حقيقية.
فالنجاح لا يبدأ بالنتيجة الكبيرة، وإنما يتكوّن من عشرات الخطوات الصغيرة التي تتكرر بمرور الوقت.
ومع استمرارك، قد تكتشف أن ممارسة الرياضة لم تعد مهمة تحتاج إلى مجهود ذهني كبير للبدء بها، بل أصبحت جزءاً طبيعياً من يومك.
وهنا تبدأ العادة الحقيقية في التكوّن.
في النهاية...
تذكّر دائماً أن الرياضة ليست سباقاً، وليست عقاباً، وليست وسيلة لتعذيب نفسك من أجل خسارة الوزن أو بناء العضلات.
ولست بحاجة إلى أن تكون رياضياً محترفاً حتى تستفيد من الحركة.
حاول أن تنظر إلى الرياضة باعتبارها وقتاً تمنحه لجسمك وعقلك؛ وقتاً للحركة، وتحسين المزاج، واستعادة النشاط، والاهتمام بصحتك.
كل خطوة صغيرة تخطوها، وكل دقيقة تقضيها في الحركة، يمكن أن تكون استثماراً حقيقياً في صحتك ومستقبلك.
عِش الرياضة بروح الاستمتاع، لا بروح الواجب.
وعندما تجد النشاط الذي يناسبك، وتبدأ بخطوات واقعية، وتسمح لنفسك بالتدرج والمرونة، ستكتشف أن الرياضة لم تعد مهمة مؤقتة تبدأ بحماس وتنتهي بالتوقف، بل أصبحت جزءاً طبيعياً ومستمرّاً من أسلوب حياتك.
فالهدف ليس أن تمارس الرياضة لفترة قصيرة... بل أن تبني علاقة مستمرة مع الحركة تستمر معك طوال حياتك.

بقلم ك. آسية درويش
أخصائية اللياقة البدنية وتصميم البرامج التدريبية
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو
في ٢٧ يوليو ٢٠٢٦ في ٧:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.