

بقلم أ.د/ فاطمة يونس
مدير قسم التطوير العلمي بهيلث ناتو،
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١٢ يوليو ٢٠٢٦ في ٣:٠٠ ص
كل شيء يبدأ من الأمعاء."
مقولة نُسبت إلى أبو الطب أبقراط قبل أكثر من ألفي عام، ويبدو أن العلم الحديث يعيد اليوم النظر فيها مع تزايد الاكتشافات المتعلقة بالعلاقة المعقدة بين الأمعاء والدماغ. ولسنوات طويلة، ارتبطت متلازمة القولون العصبي (Irritable Bowel Syndrome - IBS) في أذهان كثيرين بأنها مجرد نتيجة للتوتر النفسي أو القلق، حتى إن بعض المرضى كانوا يسمعون عبارة متكررة: "جميع الفحوصات سليمة... المشكلة نفسية." لكن الأبحاث الحديثة قدمت صورة أكثر اكتمالًا. فالقولون العصبي ليس مرضاً نفسياً بحتاً ، كما أنه ليس مجرد اضطراب في حركة الأمعاء، بل هو اضطراب وظيفي معقد تتداخل فيه عوامل مناعية وعصبية وبيولوجية، إلى جانب العوامل النفسية، عبر منظومة متكاملة تُعرف باسم المحور الدماغي المعوي (Gut-Brain Axis).
في الظروف الطبيعية، ترتبط خلايا بطانة الأمعاء ببعضها بإحكام بواسطة ما يُعرف بـ الوصلات المحكمة (Tight Junctions)، والتي تعمل كحاجز يسمح بمرور العناصر الغذائية بعد هضمها، ويمنع عبور المواد غير المرغوب فيها. وعندما يختل تنظيم هذا الحاجز أو تزداد نفاذيته لدى بعض الأشخاص، قد تعبر بعض الجزيئات الكبيرة نسبياً بالإضافة إلى مكونات تنتجها بعض البكتيريا، إلى جدار الأمعاء، وهو ما قد يحفز إستجابة مناعية موضعية كرد فعل تلقائي. - تنشيط الخلايا الصارية (Mast Cells) استجابةً لهذه التغيرات، قد تنشط الخلايا الصارية (Mast Cells) الموجودة في جدار الأمعاء، خاصة بالقرب من النهايات العصبية. وتفرز هذه الخلايا مواد مثل الهيستامين ووسائط التهابية أخرى، قد تسهم في حدوث إلتهاب موضعي وزيادة حساسية الأمعاء لدى بعض المرضى. وفي كثير من الحالات، يظل هذا الإلتهاب محدوداً داخل جدار الأمعاء ولذلك قد لا يظهر بوضوح في تحاليل الإلتهاب التقليدية مثل CRP أو ESR رغم أنه قد يكون كافياً للتسبب في أعراض مزمنة.
يُعد فرط الحساسية الأحشائية (Visceral Hypersensitivity) أحد أهم التفسيرات الحديثة لألم القولون العصبي. فالإلتهاب البسيط والمستمر قد يزيد من حساسية الأعصاب الموجودة داخل جدار الأمعاء. وعندما تتعرض هذه الأعصاب لمواد مثل الهيستامين والتريبتاز، تصبح أكثر استجابة للمؤثرات الطبيعية. ونتيجة لذلك، قد يشعر المريض بألم شديد رغم أن الأمعاء تقوم بوظيفتها المعتادة، مثل مرور الطعام أو تمددها بالغازات. بل إن مؤثرات بسيطة لا تسبب أي ألم لدى معظم الناس قد تصبح مؤلمة لدى مريض القولون العصبي بسبب زيادة حساسية الأعصاب.
لا تُعد الأمعاء مجرد أنبوب لهضم الطعام فقط، بل تحتوي على شبكة عصبية معقدة تُعرف باسم الجهاز العصبي المعوي (Enteric Nervous System - ENS)، ولذلك يطلق عليها أحيانًا "الدماغ الثاني". كما يُعد الجهاز الهضمي المصدر الرئيسي لإنتاج السيروتونين (5-HT) في الجسم، وهو ناقل عصبي يلعب دوراً مهماً في تنظيم حركة الأمعاء والإحساس بها. وفي بعض مرضى القولون العصبي، قد يحدث اضطراب في تنظيم السيروتونين مما يؤثر في وظيفة الأمعاء. ففي الحالات المصحوبة بالإسهال (IBS-D) قد تزداد تأثيرات السيروتونين فتزداد حركة الأمعاء وإفراز السوائل، بينما قد يحدث في الحالات المصحوبة بالإمساك (IBS-C) خلل في تنظيم السيروتونين أو استجابة مستقبِلاته مما يؤدي إلى بطء حركة الأمعاء.
ترتبط الأمعاء والدماغ بشبكة تواصل مستمرة تُعرف باسم المحور الدماغي المعوي (Gut-Brain Axis)، حيث تنتقل الإشارات في كلا الإتجاهين بصورة متواصلة.
- من الأمعاء إلى الدماغ: قد تؤدي التغيرات في الميكروبيوم أو الالتهاب الموضعي إلى إرسال إشارات عبر الأعصاب وخاصة العصب الحائر (Vagus Nerve) إلى الدماغ، وهو ما قد يؤثر في المزاج والتركيز لدى بعض الأشخاص، وقد يسهم في ظهور أعراض مثل القلق أو ضبابية الدماغ. - ومن الدماغ إلى الأمعاء: عند التعرض للتوتر النفسي، يفرز الجسم هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والتي قد تؤثر في حركة الأمعاء وتزيد من حساسيتها، وقد ترفع نفاذية جدارها لدى بعض المرضى مما يفاقم الأعراض ويُسهم في استمرار الحلقة المفرغة بين الدماغ والأمعاء.
لا يظهر القولون العصبي بالصورة نفسها لدى جميع المرضى. فقد يعاني أحدهم من الإمساك، بينما يغلب الإسهال على آخر، ويكون الانتفاخ أو الألم المزمن هو العرض الرئيسي لدى غيرهما. ويرجع ذلك إلى أن الآليات البيولوجية لا تكون متشابهة لدى الجميع؛ فقد يغلب اضطراب الميكروبيوم عند بعض المرضى، بينما تكون زيادة حساسية الأعصاب هي السبب عند آخرين ، وهناك مرضي يعانون من اضطراب التواصل بين الدماغ والأمعاء ولهذا السبب ( لا يوجد علاج واحد يناسب الجميع.)
مع تطور فهمنا لهذا المرض، أصبح العلاج يركز على أكثر من مجرد تخفيف التقلصات أو السيطرة على الأعراض، بل يهدف إلى معالجة العوامل التي قد تسهم في حدوثها.
- دعم الحاجز الواقي للأمعاء: تشير بعض الدراسات إلى أن عناصر مثل L-Glutamine والأحماض الدهنية قصيرة السلسلة مثل Butyrate قد تساعد بعض المرضى، خاصة عند الاشتباه بزيادة نفاذية الأمعاء، إلا أن الحاجة ما زالت قائمة إلى مزيد من الدراسات لتحديد الفئات الأكثر استفادة منها. - تقليل حساسية الأعصاب المعوية: يجري حاليا تقييم بعض العلاجات التي تستهدف الوسائط الإلتهابية مثل الهيستامين، بهدف تقليل فرط الحساسية الأحشائية لدى فئات محددة من المرضى. - تحسين توازن الميكروبيوم: أظهرت الأبحاث أن تعديل النظام الغذائي قد يساعد على تخفيف الأعراض لدى كثير من المرضى، وتُعد حمية Low-FODMAP من أكثر الأنظمة الغذائية المدروسة في هذا المجال. كما قد تكون بعض سلالات البروبيوتيك مفيدة، إلا أن الإستجابة قد تختلف من شخص إلى آخر.
الخلاصة
لم يعد القولون العصبي يُنظر إليه على أنه مجرد نتيجة للتوتر النفسي أو اضطراب بسيط في حركة الأمعاء، بل أصبح يُفهم اليوم على أنه اضطراب معقد تتداخل فيه الأعصاب والمناعة والميكروبيوم ووظيفة الحاجز المعوي، إلى جانب التأثيرات المتبادلة بين الدماغ والأمعاء. ولهذا، فإن نجاح العلاج لا يعتمد على وصف دواء واحد لجميع المرضى، بل على فهم الآليات الأكثر تأثيراً في كل حالة، واختيار خطة علاجية متكاملة تناسب طبيعة المرض لدى كل مريض. وربما يكون أهم ما توصل إليه العلم الحديث هو أن ألم مريض القولون العصبي حقيقي وله أسس بيولوجية معقدة تستحق الفهم والعلاج بعيدا عن إختزاله في كونه مجرد إنعكاس للحالة النفسية.

بقلم أ.د/ فاطمة يونس
مدير قسم التطوير العلمي بهيلث ناتو،
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١٢ يوليو ٢٠٢٦ في ٣:٠٠ ص
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.