

بقلم أ.د/ محمد حنيش
أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
ساد لسنوات مفهوم يتعامل مع جراحات السمنة (Bariatric Surgery) — مثل تكميم المعدة (Sleeve Gastrectomy) وتحويل المسار (Gastric Bypass) — باعتبارها حلولاً تجميلية للتخلص من الكيلوجرامات الزائدة.
لكن النظرة الطبية الحديثة أصبحت مختلفة.
فالسمنة ليست مجرد زيادة في الوزن، بل مرض مزمن يرتبط بالسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وانقطاع التنفس أثناء النوم، وأمراض القلب، والكبد الدهني وغيرها من المضاعفات.
ولهذا تُعرف هذه العمليات أيضاً باسم الجراحات الأيضية (Metabolic Surgery)، لأنها لا تعمل فقط من خلال تقليل كمية الطعام، وإنما ترتبط أيضاً بتغيرات هرمونية وأيضية يمكن أن تؤثر في الشهية، وسكر الدم، وحساسية الإنسولين، والصحة الأيضية بشكل عام.
فمتى تصبح جراحة السمنة تدخلاً علاجياً مهماً، وليس مجرد خيار لإنقاص الوزن ؟
لم يعد القرار الجراحي يعتمد على رقم مؤشر كتلة الجسم (BMI) وحده رغم أنه لا يزال جزءاً أساسياً من التقييم.
وهناك ثلاث حالات مهمة لمؤشر كتلة الجسم ( BMI ) :
- إذا كان أكبر من أو يساوي ( 35 ) كجم / م² : تعد الجراحة خياراً رئيساً وموصى به حتى لو لم تكن هناك أمراض مصاحبة.
- إذا كان بين ( 30 و 34.9 ) كجم / م² : يُنظر في الجراحة إذا كان هناك مرض أيضي (مثل السكري) لم يستجب للوسائل غير الجراحية.
- إذا كان أكبر من أو يساوي ( 27.5 ) كجم / م² : في حالة (الفئات الآسيوية) يبدأ التقييم للجراحة عند هذا الرقم (حسب توصيات الجمعية الأمريكية للسكري ADA) نظراً لارتفاع المخاطر الأيضية لديهم عند أوزان أقل.
هناك حالات تجعل الجراحة خياراً علاجياً مهماً .. لكن وجود هذه الأمراض لا يعني إجراء الجراحة فوراً بل يعني أن فائدة السيطرة على السمنة أصبحت أكبر وأهم :
- السكري من النوع الثاني : تقدم الجراحة تحسناً هرمونياً وسريعاً في سكر الدم وحساسية الإنسولين حتى قبل فقدان الوزن الكبير.
- انقطاع التنفس أثناء النوم (OSA) : خفض الوزن المستدام يقلل انسداد المجاري التنفسية ويخفف العبء المباشر عن القلب.
ـ الكبد الدهني وإلتهاباته (MASLD / MASH) : يساعد فقدان الوزن على تحسين دهون الكبد والالتهاب وبعض درجات التليف بالكامل مع الخيارات الدوائية الحديثة.
- ارتفاع ضغط الدم ومخاطر القلب: خفض الوزن يقلل الإجهاد الوعائي والمضاعفات الأيضية المترتبة على السمنة الشديدة.
لا توجد قائمة تقول إن ظهور مرض معين يعني تلقائياً ضرورة إجراء الجراحة فوراً.
لكن وجود مضاعفات مرتبطة بالسمنة قد يجعل الفائدة المتوقعة من علاج السمنة بشكل قوي ومستدام أكبر، خصوصاً عندما تكون الحالة مناسبة للجراحة.
نجاح جراحة السمنة لا ينتهي عند مغادرة غرفة العمليات.
فقدان الوزن السريع والكبير يمكن أن يصاحبه فقدان جزء من الكتلة العضلية، ولذلك تصبح التغذية الكافية والبروتين والنشاط البدني وتدريبات المقاومة جزءاً مهماً من المتابعة بعد الجراحة.
كما يحتاج المريض إلى متابعة طويلة المدى للفيتامينات والمعادن، لأن جراحات السمنة قد تزيد خطر نقص بعض العناصر الغذائية.
ويكون تأثير سوء الامتصاص أوضح في بعض عمليات تحويل المسار مقارنة بالتكميم؛ لذلك تختلف احتياجات المكملات والمتابعة بحسب نوع العملية.
وتشمل المكملات التي يحتاج إليها كثير من المرضى فيتامين B12، والحديد، والكالسيوم، وفيتامين D، إلى جانب المكملات المتعددة، وفق نتائج التحاليل ونوع الجراحة وتعليمات الفريق الطبي.
ولهذا فإن المتابعة التغذوية والمخبرية ليست خطوة إضافية بل جزء أساسي من نجاح الجراحة على المدى الطويل.
جراحة السمنة ليست اعترافاً بالفشل في اتباع الحميات، وليست أيضاً حلاً تجميلياً سريعاً.
إنها إحدى الأدوات العلاجية الفعالة في التعامل مع السمنة كمرض مزمن متعدد الأبعاد خصوصاً عندما تكون السمنة شديدة أو ترتبط بأمراض أيضية مهمة.
لكن القرار الجراحي لا يُبنى على رقم مؤشر كتلة الجسم وحده ولا يعني أن كل مريض يعاني من السمنة يحتاج إلى عملية.
القرار الحقيقي هو تقييم متكامل يجمع بين الطبيب الباطني أو طبيب السمنة، والجراح، وأخصائي التغذية، وأحياناً تخصصات أخرى، لتحديد ما إذا كانت الفائدة المتوقعة من الجراحة تفوق مخاطرها وما إذا كان المريض مستعداً للمتابعة والعلاج على المدى الطويل.
فالهدف الحقيقي من جراحة السمنة ليس فقط أن يصبح الرقم على الميزان أقل.. بل أن تصبح صحة الإنسان أفضل.

بقلم أ.د/ محمد حنيش
أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.