

تم التصميم والنشر بواسطة فريق التحرير الطبي بهيلث ناتو
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو
في ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
قد يبدو أن الذاكرة وظيفة تخص الدماغ وحده، وأن المعدة والأمعاء لا علاقة لهما إلا بهضم الطعام.
لكن دراسة حديثة تفتح باباً مثيراً للاهتمام: ما تأكله قد يرسل إشارات إلى الدماغ تساعده على تكوين ذكريات مرتبطة بالطعام ومكان تناوله.
والطريق بين الاثنين؟ العصب الحائر (Vagus Nerve).
من المعدة إلى الدماغ.. طريق لم نكن نراه بهذه الصورة
عندما نتناول الطعام، لا يكتفي الجهاز الهضمي بالتعامل معه وهضمه، بل يرسل أيضاً إشارات إلى الدماغ حول ما يحدث داخله.
ويُعد العصب الحائر أحد أهم طرق الاتصال بين الجهاز الهضمي والدماغ.
وفي الدراسة الجديدة، التي نُشرت في مجلة Nature Communications، وجد الباحثون لدى الفئران أن تناول الطعام الغني بالمغذيات ارتبط بزيادة إطلاق مادة الأسيتيل كولين (Acetylcholine) في منطقة الحُصين بالمخ (Hippocampus)، وهي منطقة أساسية في عمليات التعلم والذاكرة.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
يبدو أن الإشارة تبدأ من الجهاز الهضمي، ثم تنتقل عبر العصب الحائر إلى مناطق عصبية وسيطة، قبل أن تؤثر في دوائر مرتبطة بالحصين.
وعندما تناولت الفئران الطعام، ارتفع نشاط الأستيل كولين في الحصين، واستمر جزء من هذه الاستجابة بعد انتهاء الوجبة.
والأكثر إثارة أن تعطيل العصب الحائر أو بعض الخلايا العصبية المشاركة في هذا المسار أدى إلى ضعف قدرة الفئران على تذكّر مكان تناول الطعام.
وهذا يشير إلى أن الدماغ قد لا يتذكر الطعام بسبب مذاقه أو رائحته فقط، بل قد يستفيد أيضاً من الإشارات القادمة من الجهاز الهضمي لتكوين ذاكرة مرتبطة بتجربة تناول الطعام.
هل الطعم وحده هو الذي يهم؟
هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط إثارة في الدراسة.
فالباحثون اختبروا تأثير بعض المحفزات الغذائية، ووجدوا أن الإشارات المرتبطة بتناول المغذيات يمكن أن تنشّط هذا المسار العصبي، ما يشير إلى أن القيمة الغذائية للطعام والإشارات التي يولدها داخل الجسم قد تكون جزءاً من عملية تكوين الذاكرة، وليس مجرد الطعم وحده.
وهذا يمنح العلماء تصوراً جديداً عن العلاقة بين الأكل والدماغ: فالجهاز الهضمي قد لا يخبر الدماغ فقط بأننا «شبعنا»، بل قد يشارك أيضاً في تسجيل تفاصيل مرتبطة بتجربة الطعام.
وماذا تفعل الوجبات السريعة بهذه المنظومة؟
في جزء آخر من الدراسة، تعرضت الفئران في مرحلة مبكرة من حياتها لنظام غذائي يشبه النظام الغربي، غني بالدهون والسكريات.
وأظهرت هذه الحيوانات ضعفاً في بعض الإشارات القادمة عبر العصب الحائر، إلى جانب اضطراب في الإشارات المرتبطة بالذاكرة الغذائية.
لكن هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة جداً:
هذه النتائج أُجريت على الفئران، ولا تعني أن الوجبات السريعة ثبت أنها تسبب فقدان الذاكرة لدى البشر.
إنها تقدم دليلاً تجريبياً مهماً على وجود صلة بين النظام الغذائي، وإشارات الأمعاء والدماغ، وبعض وظائف الذاكرة، لكنها تحتاج إلى دراسات بشرية لتحديد مدى انطباق هذه الآلية علينا.
هل يمكن أن تكون المعدة جزءاً من «نظام الذاكرة»؟
الدراسة لا تقول إن المعدة تخزن الذكريات، ولا أن الطعام يستطيع «صناعة الذاكرة» بمفرده.
لكنها تكشف عن مسار عصبي مثير للاهتمام يمكن أن يساهم في ربط تجربة تناول الطعام بالسياق والمكان والوقت.
ومن الناحية التطورية، قد يكون لذلك معنى واضح: تذكّر مكان العثور على غذاء مفيد يمكن أن يساعد الكائن على العودة إليه مستقبلاً.
هل وصلنا إلى علاج جديد للذاكرة؟
بالتأكيد لا.
الدراسة ما زالت في مرحلة البحث الأساسي، ولم تثبت أن تنشيط العصب الحائر أو تناول نوع معين من الطعام يمكن أن يعالج ضعف الذاكرة أو أمراضاً مثل ألزهايمر لدى البشر.
لكنها تضيف قطعة جديدة إلى لغز أكبر يعرف باسم محور الأمعاء–الدماغ (Gut–Brain Axis)، وتكشف أن العلاقة بين الجهاز الهضمي والدماغ قد تكون أعمق مما كنا نعتقد.
الخلاصة:
ربما لا تبدأ كل ذكرياتنا داخل الدماغ وحده.
فأثناء تناول الطعام، يتحدث الجهاز الهضمي مع الدماغ عبر شبكة معقدة من الإشارات العصبية والهرمونية، ويشير هذا الاكتشاف الجديد إلى أن العصب الحائر قد ينقل بعض هذه الرسائل إلى دوائر الدماغ المسؤولة عن الذاكرة.
لكن القصة ما زالت في بدايتها، فما ثبت حتى الآن هو وجود هذه الآلية في الفئران، وليس علاجاً أو حقيقة مثبتة بالطريقة نفسها لدى الإنسان.
وقد يكون السؤال الأكثر إثارة للمستقبل ليس:
«هل ما نأكله يؤثر في ذاكرتنا؟»
بل:
«هل يمكن أن تبدأ بعض ذكرياتنا فعلاً بإشارة ترسلها أمعاؤنا إلى الدماغ؟»

تم التصميم والنشر بواسطة فريق التحرير الطبي بهيلث ناتو
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو
في ١٥ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.