صحه عامه تمت المراجعة العلمية

عندما تضغط المناعة على دواسة البنزين

عندما تضغط المناعة على دواسة البنزين
.مرض جريڤز Graves’ disease… الحكاية التي بدأت بخفقان وانتهت بقصة مناعية معقدة
د. أميرة الطويل

بقلم د. أميرة الطويل

فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلانية | أخصائية التغذية الإكلينيكية

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو

في ٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م

مرض جريڤزالحكاية التي بدأت بخفقان وانتهت بقصة مناعية معقدة

قد تبدأ القصة بخفقان مفاجئ، فقدان وزن رغم تناول الطعام بشكل طبيعي، إحساس دائم بالحرارة، رعشة بسيطة في اليدين، نوم غير مريح أو توتر غير معتاد.

وقد يظن الشخص أن السبب هو الضغط النفسي أو قلة النوم أو حتى تغيير النظام الغذائي.

لكن أحياناً يكون هناك سبب آخر تماماً ( الغدة الدرقية تعمل بأقصى سرعتها).

وهنا تبدأ حكاية مرض جريڤز .

1. انخفاض هرمون TSH لا يعني أن الغدة "كسولة".

من أكثر النقاط التي قد تسبب ارتباكاً أن تحليل TSH يكون منخفضاً. فانخفاض TSH لا يعني بالضرورة قصور الغدة الدرقية.

في السياق المناسب قد يكون انخفاضه أول خيط يقودنا إلى فرط نشاط الغدة الدرقية لكن نحتاج أيضاً إلى النظر إلى هرمونات الغدة وأعراض المريض والسبب المحتمل.

عادةً يعمل الجسم بنظام دقيق :

الغدة النخامية ترسل هرمون TSH إلى الغدة الدرقية فتنتج الغدة هرموني T4 وT3. وعندما ترتفع هرمونات الغدة بالقدر الكافي ترسل إشارات تقلل إفراز TSH.

لكن في مرض جريڤز (Graves) يحدث شيء مختلف.

2. عندما يبدأ جهاز المناعة بإعطاء الغدة أمراً خاطئاً

مرض جريڤز هو مرض مناعي ذاتي.

أي أن جهاز المناعة يصنع أجساماً مضادة تستهدف مستقبلات موجودة على خلايا الغدة الدرقية. هذه الأجسام المضادة يمكنها أن تحفّز الغدة كما لو أنها تتلقى إشارة مستمرة من هرمون TSH فتستمر الغدة في إنتاج هرمونات الغدة الدرقية بكميات أكبر من حاجة الجسم. (والنتيجة هي فرط نشاط الغدة الدرقية).

وهنا يصبح المشهد أشبه بسيارة ضغط أحدهم على دواسة البنزين فيها ولم يرفع قدمه عنها.

3. لماذا يشعر الجسم وكأنه في حالة تسارع ؟

هرمونات الغدة الدرقية تؤثر في أجهزة كثيرة في الجسم.

لذلك قد تظهر أعراض مثل :

- سرعة ضربات القلب والخفقان. - رعشة اليدين. - الشعور بالحرارة والتعرق. - القلق وصعوبة النوم. - زيادة حركة الجهاز الهضمي. - ضعف العضلات. - فقدان الوزن.

لكن فقدان الوزن هنا لا يعني أن الجسم يحرق الدهون فقط.

قد يفقد الشخص أيضاً جزءاً من الكتلة العضلية ومع استمرار فرط نشاط الغدة يمكن أن تتأثر صحة العظام كذلك وتشير المراجعات الحديثة إلى أن فرط نشاط الغدة قد يصاحبه انخفاض في الدهون والعضلات وكتلة العظام، ثم يحدث تغير في الاتجاه مع عودة الغدة إلى حالتها الطبيعية.

ولهذا لا ينبغي أن يكون الهدف أثناء المرض هو إنقاص الوزن لمجرد أن الميزان ينخفض. الأهم هو الحفاظ على التغذية والعضلات وصحة العظام بالتوازي مع علاج السبب.

4. والقصة قد تصل إلى العين

مرض جريڤز له جانب آخر مهم يسمى مرض العين المرتبط بالغدة الدرقية.

قد تظهر أعراض مثل :

جفاف العين، الاحمرار، الشعور بوجود جسم غريب أو رمل داخل العين، تورم المنطقة المحيطة بالعين، بروز العين أو ازدواج الرؤية.

وهنا توجد نقطة مهمة :

مشكلات العين لا تسير دائماً بالتوازي مع شدة فرط نشاط الغدة. وقد تظهر أعراض العين قبل تشخيص جريڤز أو بعده، وفي بعض الحالات يمكن أن تظهر حتى مع مستويات هرمونات طبيعية. لذلك لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد مشكلة شكلية فبعض الحالات تحتاج تقييماً وعلاجاً متخصصاً.

5. العلاج أكبر من مجرد تحسين رقم في التحليل

الهدف الحقيقي من العلاج هو إيقاف التسارع المفرط للغدة ومنع مضاعفاتها على القلب والعظام. وتتوزع الخيارات العلاجية الطبية على عدة مسارات :

- الأدوية المضادة للغدة مثل ( Methimazole) : الخيار الأول في معظم الحالات لتثبيط إنتاج الهرمونات الزائدة.

- اليود المشع أو الجراحة: حلول تُستخدم في حالات خاصة مثل عدم الاستجابة للأدوية أو كبر حجم الغدة.

- حاصرات بيتا (Beta-blockers) : أدوية مساندة تستخدم مؤقتاً لتهدئة خفقان القلب والرعشة، لكنها لا تعالج أصل المشكلة المناعية.

إذن لا توجد وصفة واحدة للجميع، فالقرار يعتمد على عمر المريض، شدة المرض، حجم الغدة، وجود حمل، حالة العين وعوامل أخرى. كما أن مدة العلاج الأولي بالأدوية ليست ثابتة لدى الجميع، بل تتكيف حسب استجابة الجسم واحتمالية عودة النشاط المناعي.

7. دور التغذية العلاجية

لا توجد أطعمة أو حمية غذائية تستطيع وحدها إيقاف مرض جريڤز أو القضاء على الأجسام المضادة.

لكن التغذية العلاجية لها دور مهم في دعم الجسم أثناء المرض وبعد السيطرة عليه.

الهدف هو :

- الحصول على طاقة وبروتين كافيين. - تقليل فقدان العضلات قدر الإمكان. - الاهتمام بالكالسيوم وفيتامين D وصحة العظام. - الحفاظ على نمط غذائي متوازن بدلاً من الدخول في حميات قاسية.

أما اليود فهو ضروري لصناعة هرمونات الغدة، لكن زيادة تناوله بشكل عشوائي أو استخدام مستحضرات غنية باليود دون حاجة قد يسبب مشكلات في بعض حالات الغدة الدرقية. لذلك لا ينصح بالبدء بمكملات اليود أو المنتجات المركزة منه من تلقاء النفس.

8. هل السيلينيوم مفيد ؟

السيلينيوم عنصر مهم لعمل بعض الإنزيمات المرتبطة بوظائف الغدة الدرقية ومقاومة الأكسدة.

وهناك اهتمام علمي باستخدامه في بعض حالات مرض العين المرتبط بـمرض جريڤز ، خصوصاً الحالات الخفيفة النشطة حديثة الظهور وفي المناطق التي ينتشر فيها نقص السيلينيوم.

لكن هذا لا يعني أن كل مريض Graves يحتاج إلى مكمل سيلينيوم فهو ليس علاج عام للمرض. والجرعات الزائدة من السيلينيوم قد تكون ضارة أيضاً.

9. تأثير القهوة

القهوة لا تسبب Graves بحد ذاتها لكن الكافيين الزائد قد يزيد الخفقان أو الرعشة أو القلق أو صعوبة النوم لدى بعض المرضى. لذلك لا توجد قاعدة واحدة للجميع المهم ملاحظة تأثيرها على الأعراض خصوصاً أثناء فترة (فرط نشاط الغدة).

10. تأثير العلاج علي الوزن

هذه من أكثر النقاط التي قد تربك المريض.

عندما تعود الغدة إلى حالتها الطبيعية يتوقف الجسم عن حالة الحرق الزائد التي كان يعيش فيها لذلك قد يعود جزء من الوزن الذي فُقد أثناء المرض.

وهذا لا يعني بالضرورة أن الشخص فشل في الحمية أو أصبح يأكل بشكل مفرط.

فعودة الجسم إلى حالته الطبيعية يصاحبها تغير في معدل استهلاك الطاقة وفي مكونات الجسم، وقد تعود الدهون والعضلات والعظام تدريجياً نحو مستوياتها السابقة.

وهنا تأتي أهمية التغذية المتوازنة والحصول على البروتين الكافي والعودة التدريجية إلى النشاط وتمارين المقاومة عندما تسمح الحالة الطبية بذلك.

في النهاية :

مرض Graves ليس مجرد تحليل TSH منخفض وليس مجرد مشكلة في الغدة الدرقية وحسب.

إنه مرض مناعي يمكن أن يؤثر في الغدة، والقلب، والعضلات، والعظام، والعينين والوزن.

وعلاج المريض الناجح لا يعني فقط إعادة أرقام الغدة إلى المعدل الطبيعي بل أيضاً الانتباه إلى ما حدث للجسم أثناء المرض، وحماية العضلات والعظام، ومتابعة العين عند وجود أعراض، ثم التعامل مع تغيرات الوزن بعد عودة الغدة إلى طبيعتها.

فالمشكلة بدأت عندما ضغطت المناعة على دواسة البنزين… والعلاج الحقيقي هو أن نعيد الجسم إلى سرعته الطبيعية من دون أن ننسى ما حدث له أثناء الطريق.

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة