

بقلم أ.د/ فاطمة يونس
مدير قسم التطوير العلمي بهيلث ناتو،
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١٧ يوليو ٢٠٢٦ في ١:٣٠ م
تشير أبحاث حديثة إلى أن بعض أمراض الدماغ قد تبدأ قصتها من الأمعاء. لسنوات طويلة، اعتُقد أن الأمراض التنكسية العصبية، مثل مرض باركنسون ومرض ألزهايمر، تنشأ داخل الدماغ وحده. وأن بداية المرض تكون مع ظهور الرعشة أو اضطراب الحركة أو تراجع الذاكرة، ولذلك يتجه الاهتمام مباشرة إلى الخلايا العصبية باعتبارها نقطة البداية.
لكن خلال السنوات الأخيرة، بدأت الأبحاث العلمية تكشف صورة أكثر تعقيداً، إذ تشير الأدلة المتزايدة إلى أن التغيرات البيولوجية المرتبطة ببعض هذه الأمراض قد تبدأ خارج الدماغ وربما داخل الجهاز الهضمي، قبل سنوات طويلة من ظهور الأعراض العصبية.
ورغم أن هذه الفرضيات لا تزال موضع بحث وتطوير، فإنها أصبحت من أكثر المجالات إثارة للاهتمام في علوم الأعصاب الحديثة، وأسهمت في ظهور مفهوم "محور الأمعاء–الدماغ" (Gut–Brain Axis) باعتباره أحد المحاور المهمة لفهم العلاقة بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي.
- الأمعاء... أكثر من مجرد عضو للهضم
لا يقتصر دور الأمعاء على هضم الطعام وامتصاص العناصر الغذائية، بل تحتوي أيضاً على شبكة عصبية معقدة تُعرف باسم الجهاز العصبي المعوي (Enteric Nervous System)، والتي تضم مئات الملايين من الخلايا العصبية وتتواصل بصورة مستمرة مع الدماغ عبر العصب الحائر (Vagus Nerve) ووسائط هرمونية ومناعية متعددة.
ولهذا يصفها بعض العلماء مجازاً بـ "الدماغ الثاني"، ليس لأنها تفكر مثل الدماغ، وإنما لأنها تمتلك جهازاً عصبياً مستقلاً نسبياً وتتبادل الإشارات معه بصورة دائمة.
- فرضية براك... عندما تبدأ القصة من الأمعاء
من أكثر الفرضيات العلمية تأثيراً في فهم مرض باركنسون ما يُعرف بـ "فرضية براك" (Braak's Hypothesis).
وتقترح هذه الفرضية أن التغيرات المرضية قد تبدأ لدى بعض المرضى داخل الجهاز العصبي المعوي، قبل أن تمتد تدريجياً إلى الدماغ عبر العصب الحائر.
وتدور هذه الفرضية حول بروتين طبيعي يُسمى ألفا-سينوكلين (Alpha-Synuclein)، يؤدي وظائف طبيعية داخل الخلايا العصبية.
لكن في ظروف معينة، قد يحدث خلل في بنيته الطبيعية، فيصبح أكثر ميلاً إلى التكتل والتراكم داخل الخلايا العصبية.
وتشير بعض الدراسات إلى أن هذه التغيرات قد تبدأ في الأمعاء لدى بعض المرضى، ثم تنتقل تدريجياً إلى مناطق مختلفة من الجهاز العصبي.
ورغم أن هذه الفرضية تحظى بدعم عدد متزايد من الدراسات، فإنها لا تزال تمثل أحد النماذج التفسيرية للمرض، وليست تفسيراً نهائياً لجميع حالات باركنسون.
ومن المثير للاهتمام أن الإمساك المزمن واضطرابات الجهاز الهضمي قد تسبق ظهور الأعراض الحركية لمرض باركنسون بسنوات عديدة لدى نسبة من المرضى، وهو ما دفع الباحثين إلى دراسة العلاقة بين الظاهرتين بصورة أعمق.
- الأمعاء المتسربة... كيف قد يؤثر الالتهاب المزمن في الدماغ؟
جانب آخر يحظى باهتمام متزايد هو ما يُعرف بزيادة نفاذية الأمعاء (Increased Intestinal Permeability)، والتي يُشار إليها شعبياً باسم "الأمعاء المتسربة".
في بعض الحالات، قد تؤدي اضطرابات الميكروبيوم المعوي والالتهابات المزمنة إلى زيادة نفاذية بطانة الأمعاء، مما يسمح بمرور بعض المكونات البكتيرية والمواد الالتهابية إلى الدورة الدموية.
ومن أبرز هذه المكونات عديد السكاريد الشحمي (Lipopolysaccharides - LPS)، وهو أحد مكونات جدار بعض البكتيريا سالبة الغرام.
وتشير الدراسات إلى أن استمرار الالتهاب منخفض الدرجة قد يؤثر في العديد من أجهزة الجسم، بما في ذلك الدماغ، من خلال تنشيط الاستجابة المناعية وزيادة الالتهاب العصبي، ولا يعني ذلك أن الأمعاء المتسربة تسبب مرض ألزهايمر بصورة مباشرة وإنما قد تمثل أحد العوامل البيولوجية المساهمة في تطور بعض الأمراض العصبية.
- ماذا يعني ذلك بالنسبة للطب الحديث؟
أدت هذه الاكتشافات إلى تحول مهم في اتجاهات البحث العلمي، حيث لم يعد التركيز منصباً على الدماغ وحده، بل أصبح يشمل أيضاً صحة الجهاز الهضمي والميكروبيوم المعوي باعتبارهما جزءاً من الصورة الكاملة، كما دفعت الباحثين إلى دراسة إمكانية استخدام التغيرات المبكرة في الأمعاء والميكروبيوم كمؤشراتٍ حيوية تساعد على اكتشاف بعض الأمراض العصبية في مراحلها الأولى.
الخلاصة
رغم أن كثيراً من الأسئلة لا تزال قيد البحث، فإن الرسالة التي أصبحت أكثر وضوحاً اليوم هي أن صحة الدماغ لا تنفصل عن صحة الأمعاء. فالحفاظ على نظام غذائي متوازن، ودعم تنوع الميكروبيوم المعوي، والحد من الالتهابات المزمنة، قد يكون جزءاً من استراتيجية أوسع للحفاظ على صحة الجهاز العصبي على المدى الطويل.
لأن رحلة حماية الدماغ لا تبدأ داخل الجمجمة فقط... بل تبدأ أيضاً من صحة الأمعاء.

بقلم أ.د/ فاطمة يونس
مدير قسم التطوير العلمي بهيلث ناتو،
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١٧ يوليو ٢٠٢٦ في ١:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.