صحه عامه تمت المراجعة العلمية

كيف يمكن لبكتيريا الأمعاء أن تؤثر في التئام الوصلات المعوية ؟

كيف يمكن لبكتيريا الأمعاء أن تؤثر في التئام الوصلات المعوية ؟
قد يؤثر ميكروبيوم الأمعاء في التئام الوصلة المعوية من خلال نشاط البكتيريا وتكسير الكولاجين والالتهاب والتفاعل مع البيئة الجراحية المحيطة بالوصلة.
أ.د/ محمد حنيش

بقلم أ.د/ محمد حنيش

أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو

في ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م

في جراحة القولون هناك لحظة شديدة الأهمية : بعد استئصال الجزء المريض من الأمعاء يعيد الجراح توصيل الطرفين بوصلة جديدة (Anastomosis).

قد تكون الوصلة أُنشئت بدقة ولا يوجد شد واضح على الأنسجة ويبدو وصول الدم والأكسجين إليها كافياً، ومع ذلك قد يحدث تسريب من الوصلة المعوية (Anastomotic Leak).

فهل المشكلة دائماً في الجراحة ؟

ليس بالضرورة لأن الوصلة لا تفشل بسبب عامل واحد .. نعرف اليوم أن التئام الوصلة عملية بيولوجية معقدة تتداخل فيها العوامل التقنية، ووصول الدم والأكسجين، والإلتهاب والمناعة، والحالة الغذائية، والعدوى، إلى جانب البيئة الميكروبية الموجودة حول الوصلة.

وهنا بدأ العلماء يهتمون بدور ميكروبيوم الأمعاء (Gut Microbiome) وهو عبارة عن مجتمع متكامل من الكائنات الحية الدقيقة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي للإنسان وخصوصاً في الأمعاء الغليظة.

ليس باعتباره «عدواً» دائماً وإنما باعتباره أحد العوامل البيولوجية التي قد تساعد على الالتئام في ظروف وقد تساهم في إضعافه في ظروف أخرى، الأدق أنه قد يكون أحد اللاعبين داخل سلسلة معقدة تؤثر في قدرة الوصلة على الالتئام.

ماذا يحدث بعد انتهاء الجراحة؟

إنشاء الوصلة ليس نهاية القصة بل بداية مرحلة جديدة من الالتئام. تبدأ الخلايا الالتهابية والخلايا الليفية والأوعية الدموية الجديدة في إصلاح النسيج، ويزداد دور الكولاجين في استعادة قوة الوصلة. لكن هذه العملية تحدث داخل الأمعاء وهي من أكثر مناطق الجسم كثافة بالبكتيريا.

بعد الجراحة تتغير البيئة المحيطة بالوصلة : يتغير الغذاء الذي يصل إلى البكتيريا، وحركة الأمعاء، والحاجز المخاطي، والظروف المحلية داخل الأنسجة، كما يتأثر الميكروبيوم بالتحضير المعوي والمضادات الحيوية.

وقد تسمح هذه التغيرات لبعض الكائنات بالإزدياد أو اكتساب خصائص أكثر ضرراً.

وهنا يأتي السؤال :

هل يمكن أن تؤثر هذه التغيرات في التئام الوصلة ؟

الأدلة الحالية تشير إلى وجود تأثير بالفعل لكن حجم هذا الدور لا يزال قيد البحث.

عندما تصبح بكتيريا طبيعية ( المكورات المعوية البرازية ) جزءاً من المشكلة ..

من أكثر الكائنات التي درست في هذا المجال :

Enterococcus faecalis - المكورات المعوية البرازية

وهي بكتيريا يمكن أن توجد طبيعياً في الجهاز الهضمي، وبالتالي فإن وجودها وحده لا يعني وجود مرض.

لكن بعض سلالاتها قادرة على إفراز (إنزيمات) تعمل مثل "المقص" حيث تقطع وتفتت المواد المقوية للأنسجة وعلى رأسها الكولاجين. ولا تكتفي بذلك فقط بل تقوم أيضاً بـ "استفزاز" خلايا الجسم نفسها لتفرز إنزيماً هداماً يدعى (MMP-9) ليعمل هو الآخر على تفكيك منطقة الجرح وهدم نسيجها المتماسك.

وهنا تظهر الفكرة المهمة :

البكتيريا قد لا تهاجم «الخياطة» نفسها، لكنها قد تضعف النسيج المحيط بالوصلة من خلال التأثير في الكولاجين والمصفوفة التي تمنح النسيج قوته.

وقد دعمت الدراسات الحيوانية هذه الآلية كما وجدت علاقة بين وجود كائنات منتجة للكولاجينيز ( إنزيم مضاد للكولاجين ) وتسريب الوصلات في بعض الدراسات البشرية .. وهذا الدليل ما زال يثبت الارتباط أكثر مما يثبت السببية.

هل المضادات الحيوية تضر الوصلة؟

هذه نقطة تحتاج إلى دقة.

المضادات الحيوية يمكن أن تغير تركيب الميكروبيوم وقد تؤثر في المقاومة الاستعمارية للبكتيريا (Colonization Resistance) التي تساعد الأمعاء على منع بعض الكائنات من التوسع. لكن هذا لا يعني أن المضادات الحيوية المستخدمة حول الجراحة تسبب التسريب أو يجب تجنبها.

على العكس، في جراحات القولون الإختيارية تدعم الإرشادات استخدام المضادات الحيوية الفموية مع التحضير الميكانيكي للأمعاء في سياقات مناسبة لتقليل العدوى الجراحية.

لذلك أصبح الهدف الأمثل حالياً هو : كيف نقلل خطر العدوى وفي الوقت نفسه نحافظ قدر الإمكان على بيئة ميكروبية تساعد على الالتئام ؟ وهذا ما يزال مجالاً للبحث.

ليس كل ميكروبيوم ضاراً

هذه نقطة أساسية.

الميكروبيوم ليس مجموعة من «البكتيريا السيئة» التي تنتظر فرصة لمهاجمة الجراح. إنه مجتمع متكامل من الكائنات الدقيقة وقد تكون بعض مكوناته مفيدة، بينما قد تصبح بعض الأنماط الميكروبية أو الوظائف البكتيرية أكثر ضرراً عندما تتغير البيئة بعد الجراحة.

كما أن العثور على بكتيريا معينة بالقرب من الوصلة لا يثبت أنها سببت التسريب فقد تكون سبباً أو نتيجةً أو جزءاً من سلسلة أكبر.

هل يكفي تحليل البراز فقط ؟

بالطبع لا .. لأن الميكروبيوم الموجود في البراز ليس بالضرورة هو نفسه الموجود على سطح الوصلة الجراحية.

ولهذا تتجه بعض الأبحاث إلى دراسة العينات الأقرب إلى الوصلة نفسها ودراسة وظائف البكتيريا ونشاطها وليس مجرد أسمائها.

وهنا تظهر الفكرة المهمة : وظيفة البكتيريا قد تكون أهم من مجرد وجودها.

هل يمكن تعديل الميكروبيوم لمنع التسريب ؟

هذا هو الجزء الأكثر إثارة للمستقبل لكنه لم يصبح علاجاً سريرياً بعد.

تُدرس حالياً استراتيجيات مثل تعديل التحضير المعوي، واختيار المضادات الحيوية، والتدخلات الغذائية، والبروبيوتيك، واستهداف الإنزيمات المحللة للكولاجين، وبعض المركبات التي أظهرت نتائج واعدة في النماذج التجريبية. لكن بعض هذه النتائج ما زال مقتصراً على المختبر أو الدراسات الحيوانية.

حتى الآن لا توجد حمية أو مكملات ميكروبية موحدة يمكن وصفها لجميع المرضى باعتبارها وسيلة مثبتة لمنع التسريب.

الخلاصة..

الوصلة لا تلتئم بالخياطة أو التدبيس فقط

تسريب الوصلة المعوية ليست مشكلة لها سبب واحد لكنها نتيجة محتملة لتفاعل عوامل تقنية وبيولوجية متعددة، تبدأ من طريقة إنشاء الوصلة وكفاية وصول الدم والأكسجين إليها، وتمتد إلى الإلتهاب والمناعة والتغذية والعدوى والبيئة الميكروبية.

وتقدم أبحاث الميكروبيوم اليوم فكرة مهمة عن ماذا تفعل هذه البكتيريا داخل البيئة الجراحية. لكننا لم نصل بعد إلى مرحلة نستطيع فيها التنبؤ بالتسريب من خلال الميكروبيوم وحده، أو منعه بمكمل غذائي أو بروتوكول ميكروبي موحد.

فالوصلات المعوية لا تعتمد على الخيط أو الدباسة فقط.. إنها أنسجة حية تحاول أن تلتئم داخل واحدة من أكثر البيئات الميكروبية تعقيداً في جسم الإنسان.

وربما يكون مستقبل جراحة القولون ليس في تحسين التقنية الجراحية وحدها، بل في فهم ما يحدث بيولوجياً حول الوصلة بعد أن ينتهي دور الجراح في غرفة العمليات.

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة