صحه عامه تمت المراجعة العلمية

القولون العصبي أم إلتهاب الأمعاء ؟ عندما تتشابه الأعراض وتختلف القصة تماماً

القولون العصبي أم إلتهاب الأمعاء ؟ عندما تتشابه الأعراض وتختلف القصة تماماً
أ.د/ فاطمة يونس

بقلم أ.د/ فاطمة يونس

مدير قسم التطوير العلمي بهيلث ناتو،
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو

في ٩ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م

كيف تفرق بين اضطراب مزعج يمكن السيطرة عليه ومرض إلتهابي يحتاج إلى تشخيص وعلاج دقيق؟

مغص… انتفاخ… إسهال… تغير في شكل أو عدد مرات التبرز.

أعراض شائعة جداً، لدرجة أن كلمة «القولون» أصبحت أحياناً التفسير السريع لأي مشكلة في الجهاز الهضمي.

لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن تكون الأمعاء حساسة ومضطربة في وظيفتها وبين أن تكون ملتهبة فعلياً.

وهنا يظهر الفرق بين القولون العصبي (IBS) وأمراض الأمعاء الالتهابية (IBD).

والتشابه في الأعراض هو تحديداً ما يجعل الخلط بينهما أمراً شائعاً.

أولاً… القولون العصبي IBS

القولون العصبي أو Irritable Bowel Syndrome (IBS) ، يصنف ضمن اضطرابات تفاعل الدماغ والأمعاء .

بمعنى أبسط : المشكلة ليست بالضرورة وجود التهاب أو جرح في الأمعاء، وإنما اضطراب في طريقة تفاعل الجهاز الهضمي مع الإشارات العصبية والحسية وتنظيم حركة الأمعاء.

أكثر الأعراض شيوعاً هي :

- ألم أو انزعاج متكرر في البطن. - انتفاخ وغازات. - إسهال أو إمساك أو التناوب بينهما. - تغير في عدد مرات التبرز أو شكل البراز. - أحياناً الشعور بعدم اكتمال الإخراج.

وبالرغم من أنه قد يكون مزعجاً ومؤثراً في جودة الحياة لكنه لا يسبب تلفاً ظاهراً في الجهاز الهضمي بحد ذاته.

إذن… ما هو إلتهاب الأمعاء IBD ؟

هنا تتغير القصة تماماً.

إلتهاب الأمعاء (IBD) هو اسم لمجموعة من الأمراض الالتهابية المزمنة التي تشمل أساساً :

- داء كرون Crohn’s Disease - إلتهاب القولون التقرحي Ulcerative Colitis

في هذه الحالات يوجد إلتهاب حقيقي في الجهاز الهضمي يمكن اكتشافه بالفحوص والمناظير والتصوير، وقد يؤدي مع الوقت إلى تلف الأنسجة ومضاعفات إذا لم تتم السيطرة عليه.

داء كرون يمكن أن يصيب أجزاء مختلفة من الجهاز الهضمي، بينما يتركز إلتهاب القولون التقرحي في القولون والمستقيم. كما تختلف طبيعة وعمق الإلتهاب بين المرضين.

المشكلة… أن الأعراض قد تبدو متشابهة

وهنا يقع كثير من الناس في الفخ.

الإسهال وألم البطن والتقلصات يمكن أن تظهر في القولون العصبى IBS وإلتهابات الأمعاء IBD معاً.

لكن بعض العلامات تجعلنا نتوقف عن تفسير كل شيء باعتباره «قولوناً عصبياً».

من أهمها :

- نزيف من المستقيم أو وجود دم في البراز.

- فقدان وزن غير مقصود.

- فقر الدم.

- الحمى.

- الإسهال المستمر أو الشديد.

- أعراض توقظ المريض من النوم.

كما أن وجود تاريخ عائلي لأمراض الأمعاء الالتهابية أو بعض أمراض الجهاز الهضمي قد يغير مستوى الشك السريري.

وجود هذه العلامات لا يعني تلقائياً أن الشخص مصاب بـإلتهاب أمعاء - IBD، لكنه يعني أن الأمر يستحق تقييماً طبياً بدلاً من الاكتفاء بتشخيص "القولون العصبي".

هل هناك إلتهاب في حالة القولون العصبى IBS ؟

هذه نقطة تستحق التوضيح.

فالمفهوم الحديث للمرض أكثر تعقيداً، ويرتبط بتغيرات في تفاعل الدماغ والأمعاء، وحساسية الأحشاء، وحركة الجهاز الهضمي، وبعض التغيرات في الميكروبيوم وعوامل أخرى.

لكن هذا يختلف عن الإلتهاب النسيجي الواضح الذي يميز إلتهاب الأمعاء IBD.

لذلك لا ينبغي استخدام مصطلح (التهاب القولون) لوصف كل شخص يعاني من أعراض القولون العصبي.

كيف يفرق الطبيب بينهما ؟

في حالات القولون العصبي، يعتمد التشخيص بدرجة كبيرة على نمط الأعراض وتاريخها والفحص السريري، مع إجراء فحوص محدودة عند الحاجة لإستبعاد أمراض أخرى.

وتشير إرشادات (الكلية الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي) إلى أن التشخيص الإيجابي للقولون العصبي يمكن أن يعتمد على التاريخ المرضي والفحص ونمط الأعراض، بدلاً من تحويل المريض إلى سلسلة طويلة من الفحوص غير الضرورية عندما لا توجد علامات إنذار.

أما عند الاشتباه في (إلتهاب الأمعاء) فقد يحتاج الطبيب إلى مجموعة مختلفة من الأدوات مثل :

- تحاليل الدم للبحث عن فقر الدم وعلامات الإلتهاب أو مضاعفات أخرى.

- تحاليل البراز، ومنها مؤشرات الإلتهاب مثل تحليل الكالبروتكتين (Fecal Calprotectin).

- المنظار وأخذ الخزعات عند الحاجة.

- التصوير في بعض الحالات خصوصاً عند الإشتباه في داء كرون.

وتوصي إرشادات (الكلية الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي) بإستخدام تحاليل ( fecal calprotectin وCRP ) مع بعض المرضى الذين يشتبه في إصابتهم بالقولون العصبي بالتزامن مع الإسهال، للمساعدة في استبعاد كونه ( إلتهاب الأمعاء). كما أصبحت مؤشرات الإلتهاب البرازية عموماً جزءاً مهماً من تقييم ومتابعة أمراض الأمعاء الإلتهابية.

وماذا عن العلاج ؟

هنا أيضاً لا يوجد تشابه حقيقي بين المرضين.

في حالات القولون العصبى، يكون العلاج موجهاً أساساً إلى السيطرة على الأعراض وتحسين جودة الحياة.

وقد يشمل :

- تعديل النظام الغذائي. - زيادة الألياف الذائبة عند ملاءمتها والإبتعاد عن الأطعمة والمشروبات المسببة لتفاقم الأعراض. - النشاط البدني والنوم الجيد. - التعامل مع التوتر والعوامل النفسية المرتبطة بالأعراض. - أدوية موجهة للإمساك أو الإسهال أو الألم عند الحاجة.

وتوصي إرشادات (الكلية الأمريكية لأمراض الجهاز الهضمي) بتجربة محدودة من نظام "Low-FODMAP" (وهو نظام غذائي شهير يصفه الأطباء لتهدئة أعراض القولون العصبي ومشاكل الجهاز الهضمي) لتحسين الأعراض العامة لدى بعض مرضى القولون العصبي، كما تدعم استخدام الألياف الذائبة.

أما في إلتهاب الأمعاء فالهدف ليس مجرد تهدئة الأعراض.

الهدف الأساسي هو السيطرة على الإلتهاب، والوصول إلى مرحلة خمول المرض والحفاظ عليها وتقليل خطر تلف الأمعاء والمضاعفات. وقد يحتاج المريض إلى أدوية مضادة للالتهاب، أو مثبطات للمناعة، أو علاجات بيولوجية، أو أدوية جزيئية موجهة، وفي بعض الحالات إلى الجراحة.

هل يمكن أن يتحول القولون العصبي إلى التهاب أمعاء؟

لا... القولون العصبى لا يتحول ببساطة إلى داء كرون أو إلتهاب القولون التقرحي.

لكن يمكن بالطبع أن يصاب الشخص بأحد أمراض إلتهاب الأمعاء في مرحلة لاحقة، أو أن تتواجد أعراض شبيهة بالـقولون العصبي لدى شخص مصاب بالفعل بمرض إلتهابي في الأمعاء. وهنا تكمن أهمية التشخيص الصحيح وعدم افتراض أن كل أعراض البطن تعني الشيء نفسه.

الخلاصة

ليس كل ألم في البطن التهاباً… وليس كل ما نسميه (قولوناً) يعتبر قولوناً عصبياً. إذا كانت الأعراض عبارة عن ألم متكرر في البطن مع تغير في التبرز وانتفاخ من دون علامات إنذار، فقد يكون القولون العصبي - IBS أحد الاحتمالات الشائعة.

لكن ( وجود دم في البراز، فقدان وزن غير مقصود، فقر دم، حرارة، أعراض ليلية مستمرة، أو إسهال شديد ومستمر ) فالوضع هنا يستحق تقييماً طبياً أكثر دقة. ولا ينبغي أن يبدأ الشخص حمية شديدة أو أدوية أو مكملات عشوائية قبل معرفة السبب.

القولون العصبي IBS، اضطراب في تفاعل الدماغ والأمعاء يمكن أن يسبب ألماً وانتفاخاً وتغيرات مزعجة في التبرز، لكنه لا يسبب تلفاً ظاهراً في الأمعاء.

أما إلـتهاب الأمعاء IBD فهو مرض إلتهابي حقيقي، يشمل داء (كرون والتهاب القولون التقرحي)، وقد يؤدي إلى تلف الأنسجة ومضاعفات تحتاج إلى علاج ومتابعة منتظمة.

والفارق بين الاثنين لا تحدده شدة الألم وحدها… بل القصة كاملة : ( نمط الأعراض، علامات الإنذار، الفحوص، وأحياناً المنظار والخزعة).

لذلك بدلاً من الإستسهال والجزم بأنه قولون عصبي … يجب أن نسأل أولاً : هل نتعامل مع أمعاء حساسة… أم أمعاء ملتهبة.

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة