

بقلم د. منى سعيد
طبيبة أسرة وأخصائية التغذية العلاجية وإدارة الوزن | فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
لكن خلال السنوات الأخيرة بدأ العلماء يطرحون سؤالاً أكثر تعقيداً : هل يمكن لتنشيط جهاز المناعة أثناء الحمل أن يؤثر في الطريقة التي يتطور بها دماغ الجنين ؟
وهنا تبدأ قصة علمية مثيرة للاهتمام.
عندما يتعرض الجسم لعدوى لا يكتفي بمقاومة الميكروب. جهاز المناعة يدخل في حالة من النشاط، وتُفرز مواد التهابية تعرف باسم السيتوكينات (Cytokines)، وهي جزيئات تساعد على تنظيم الاستجابة المناعية. وخلال الحمل توجد علاقة بيولوجية معقدة بين جسم الأم والمشيمة والجنين.
لذلك يبحث العلماء فيما إذا كانت الاستجابة المناعية والالتهابية للأم قد تؤثر في البيئة التي ينمو فيها الجنين، خصوصاً أن الدماغ يمر خلال هذه الفترة بمراحل دقيقة من تكوين الخلايا العصبية والاتصالات بينها. ومن هنا ظهرت فرضية علمية تعرف باسم : (Maternal Immune Activation — MIA) أي تنشيط جهاز المناعة لدى الأم.
لا يعني ذلك أن الخلايا المناعية لدى الأم تهاجم دماغ الجنين بشكل مباشر.
فالتغيرات في الإشارات المناعية والالتهابية قد تتفاعل مع المشيمة كما يدرس الباحثون تأثيرها المحتمل في الخلايا المناعية الموجودة داخل الدماغ النامي ومنها الخلايا الدبقية الصغيرة (Microglia). هذه الخلايا لها أدوار مهمة في نمو الجهاز العصبي وتنظيم البيئة المحيطة بالخلايا العصبية وتكوين بعض الوصلات بينها. ولهذا يتساءل العلماء عما إذا كان حدوث تنشيط مناعي شديد أو في توقيت حساس من الحمل يمكن أن يغير بعض مسارات النمو العصبي. لكن هذه الآليات ما زالت موضع بحث ولا تمثل تفسيراً مؤكداً لاضطراب طيف التوحد للأطفال فيما بعد.
بعض الدراسات الرصدية وجدت ارتباطاً بين بعض حالات العدوى أو الحمى أثناء الحمل وزيادة احتمال تشخيص اضطراب طيف التوحد لدى الطفل. وفي تحليل تجميعي شمل 36 دراسة وُجد ارتباط بين العدوى أو الحمى أثناء الحمل والتوحد. وقد تتداخل عوامل أخرى، مثل الحالة الصحية للأم، والعوامل الوراثية والعائلية، ونوع العدوى، وشدتها، وتوقيت حدوثها أثناء الحمل.
لا لأن التوحد ليس مرضاً له سبب واحد فهو حالة عصبية معقدة تلعب فيها العوامل الجينية دوراً مهماً إلى جانب مجموعة من العوامل البيولوجية والبيئية التي ما زال العلماء يدرسون تفاعلها. وفي بعض الدراسات ارتبطت العدوى الشديدة أثناء الحمل بزيادة أكبر في الاحتمال، بينما لم تجد دراسات أخرى ارتباطاً عاماً بين جميع أنواع العدوى والتوحد. لذلك لا يبحث العلماء عن (ميكروب يسبب التوحد)، وإنما يحاولون فهم شبكة معقدة من العوامل التي قد تتداخل مع نمو الدماغ.
لذلك فإن إصابة الأم بعدوى أثناء الحمل لا تعني أن طفلها سيصاب بالتوحد. ولا توجد حالياً طريقة يمكن من خلالها النظر إلى عدوى حدثت أثناء الحمل والتنبؤ بأن الطفل سيصاب بالتوحد بسببها. كما أن كثيراً من النساء يصبن بعدوى أثناء الحمل وينجبن أطفالاً أصحاء.
لكن هذا لا يعني تجاهل العدوى فبعض أنواع العدوى قد تؤثر في صحة الأم والحمل والجنين لأسباب كثيرة مستقلة تماماً عن التوحد ولذلك فإن تشخيصها وعلاجها في الوقت المناسب يظل أمراً مهماً.
لا تتجاهل الأعراض.. ولا تعالج نفسها عشوائياً. عند حدوث عدوى أو ارتفاع في درجة الحرارة يجب تقييم الحالة مع الطبيب لمعرفة نوع العدوى وشدتها وما إذا كانت تحتاج إلى تحليل أو علاج. ولا ينبغي للحامل تناول مضاد حيوي أو مضاد للفيروسات أو أي دواء من تلقاء نفسها كما لا ينبغي إيقاف علاج موصوف طبياً بسبب الخوف من تأثيره على الجنين من دون الرجوع إلى الطبيب.
دماغ الجنين لا ينمو بمعزل عن جسم الأم. ولهذا أصبح العلماء يهتمون بشكل متزايد بالعلاقة بين المناعة، والالتهاب، والمشيمة، والعوامل الجينية خلال فترة الحمل. لكن حتى الآن لا يمكن القول إن العدوى أثناء الحمل هي سبب مباشر للتوحد. هناك ارتباط وجدته بعض الدراسات وهناك آليات بيولوجية محتملة لكن السببية لم تُحسم. لذلك لا ينبغي أن تتحول هذه المعلومات إلى خوف أو شعور بالذنب لدى الأم.

بقلم د. منى سعيد
طبيبة أسرة وأخصائية التغذية العلاجية وإدارة الوزن | فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.