"صحه عامهتمت المراجعة العلمية

ثورة أدوية السمنة الجديدة أمام جراحات السمنة... هل انتهى عصر المشرط؟

ثورة أدوية السمنة الجديدة أمام جراحات السمنة... هل انتهى عصر المشرط؟
رغم الثورة التي أحدثتها أدوية السمنة الحديثة، لا تزال جراحات السمنة خياراً علاجياً مهماً للعديد من المرضى. ويعتمد القرار الأفضل على تقييم طبي فردي يحدد العلاج الأنسب لكل حالة.
أ.د/ محمد حنيش

بقلم أ.د/ محمد حنيش

أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو

في ٢٦ يوليو ٢٠٢٦ في ١٠:٣٠ ص

أهم النقاط

  • تساعد أدوية السمنة الحديثة مثل السيماغلوتايد والتيرزيباتيد على تقليل الشهية وزيادة الشبع وتحقيق فقدان ملحوظ في الوزن خاصة عندما يتم دمجهم مع تغييرات صحية في نمط الحياة بجانب نظام غذائي صحي.
  • لا تزال جراحات السمنة تحقق أكبر فقدان مستدام للوزن، خاصة لدى المرضى الذين يعانون من السمنة الشديدة والأمراض المصاحبة لها.
  • قد تؤدي إعادة إيقاف أدوية السمنة إلى استعادة جزء من الوزن المفقود، مما يؤكد أن السمنة مرض مزمن يحتاج إلى علاج طويل الأمد.
  • يعتمد الاختيار بين العلاج الدوائي أو الجراحة أو الجمع بينهما على التقييم الطبي الشامل، وليس على وجود علاج واحد يناسب جميع المرضى.

لسنوات طويلة، كانت جراحات السمنة، مثل تكميم المعدة وتحويل المسار، من أقوى الخيارات العلاجية المتاحة للأشخاص الذين يعانون من السمنة الشديدة، خاصة عندما ترتبط السمنة بمرض السكري من النوع الثاني أو ارتفاع ضغط الدم أو انقطاع التنفس أثناء النوم.

لكن خلال السنوات الأخيرة، ظهرت أدوية حديثة أحدثت تحولاً كبيراً في علاج السمنة، وعلى رأسها سيماغلوتايد (Semaglutide) وتيرزيباتيد (Tirzepatide). وتعمل هذه الأدوية بطريقة تحاكي تأثير هرمونات طبيعية يفرزها الجسم للمساعدة على التحكم في الشهية والشبع ومستويات السكر في الدم.

ومع النتائج الكبيرة التي حققتها هذه الأدوية في فقدان الوزن، بدأ سؤال مهم يطرح نفسه:

هل أصبحت أدوية السمنة الحديثة بديلاً عن الجراحة؟ وهل يمكن للحقن أن تحقق نتائج تضاهي جراحات السمنة على المدى الطويل؟

الإجابة ببساطة: ليس هناك خيار واحد مناسب للجميع. فالأدوية والجراحة أدوات مختلفة، ولكل منهما مكانه في علاج السمنة، وقد يكون الجمع بينهما هو الخيار الأفضل لبعض المرضى.

أولاً: كيف تعمل أدوية السمنة الحديثة؟

تعمل بعض أدوية السمنة الحديثة على تقليد تأثير هرمونات طبيعية يفرزها الجسم بعد تناول الطعام، وتساعد هذه الهرمونات على تنظيم الشهية والشبع ومستويات السكر في الدم.

ومن أهم تأثيراتها:

1. تقليل الشهية وزيادة الشعور بالشبع

تؤثر هذه الأدوية في مراكز معينة في الدماغ مسؤولة عن تنظيم الشهية، فتساعد الشخص على الشعور بالشبع لفترة أطول وتقلل الرغبة في تناول كميات كبيرة من الطعام.

وهذا يجعل المريض قادراً على تقليل كمية الطعام التي يتناولها دون الشعور المستمر بالجوع الذي قد يصاحب محاولات إنقاص الوزن التقليدية.

2. إبطاء خروج الطعام من المعدة

قد تؤدي بعض هذه الأدوية إلى إبطاء حركة الطعام من المعدة إلى الأمعاء، خاصة في بداية العلاج، مما يساعد على استمرار الشعور بالامتلاء لفترة أطول.

3. تحسين التحكم في سكر الدم

تساعد هذه الأدوية على تحسين استجابة الجسم للإنسولين، كما تقلل إفراز هرمون الجلوكاجون، الذي يعمل على رفع مستوى السكر في الدم، مما يساعد على ضبط مستويات السكر بشكل أفضل. ولهذا السبب، أصبحت هذه الأدوية ذات أهمية خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة ومرض السكري من النوع الثاني.

النقطة المهمة

هذه التأثيرات تعتمد على استمرار العلاج. فعند إيقاف الدواء، تختفي تدريجياً التأثيرات الدوائية التي كان يوفرها، وقد تعود الشهية إلى الارتفاع، ولذلك قد يستعيد بعض المرضى جزءاً من الوزن الذي فقدوه.

وهذا لا يعني أن الأدوية غير فعالة، بل يعني أن السمنة مرض مزمن قد يحتاج إلى علاج طويل الأمد، تماماً مثل بعض الأمراض المزمنة الأخرى.

ثانياً: ماذا تفعل جراحات السمنة داخل الجسم؟

جراحات السمنة ليست مجرد تصغير لحجم المعدة كما يعتقد البعض، بل يمكن أن تُحدث تغيرات مهمة في الشهية والهرمونات وطريقة تعامل الجسم مع الطعام والسكر.

تكميم المعدة

في عملية التكميم، يتم استئصال جزء كبير من المعدة، ومن ضمنه الجزء الذي ينتج نسبة كبيرة من هرمون الجريلين، وهو أحد الهرمونات التي تساعد على الشعور بالجوع.

لذلك، قد يشعر المريض بعد الجراحة بانخفاض واضح في الشهية، بالإضافة إلى قدرته على تناول كميات أقل من الطعام بسبب صغر حجم المعدة.

تحويل مسار المعدة

في عملية تحويل المسار، يتم تغيير مسار الطعام داخل الجهاز الهضمي، مما يؤدي إلى تغيرات هرمونية وأيضية مهمة.

ومن أبرز هذه التغيرات زيادة إفراز بعض هرمونات الشبع، مثل GLP-1 وPYY، مما يساعد على تقليل الشهية وتحسين التحكم في مستوى السكر في الدم.

كما يمكن للجراحة أن تؤثر في طريقة تعامل الجسم مع الجلوكوز والإنسولين، وهو أحد الأسباب التي تجعل تأثيرها يتجاوز مجرد فقدان الوزن.

لذلك تُعرف هذه العمليات باسم جراحات السمنة والأيض، وليس فقط جراحات تصغير المعدة.

ثالثاً: من يؤثر علي الوزن أكثر... الأدوية أم الجراحة؟

حققت أدوية السمنة الحديثة نتائج كبيرة في فقدان الوزن، خاصة مع استخدام الجرعات العلاجية المخصصة للسمنة وتحت إشراف طبي.

وقد أظهرت الدراسات أن بعض هذه الأدوية يمكن أن تؤدي إلى فقدان نسبة كبيرة من وزن الجسم، وقد تصل في بعض الحالات إلى أكثر من 15%، بينما أظهرت بعض الدراسات على تيرزيباتيد نتائج أعلى لدى بعض المرضى.

لكن عند مقارنة النتائج بشكل عام، تظل جراحات السمنة من أكثر التدخلات فعالية في تحقيق فقدان كبير ومستمر للوزن، خاصة لدى الأشخاص الذين يعانون من السمنة الشديدة.

ومع ذلك، لا يمكن مقارنة نتائج الدواء والجراحة اعتماداً على رقم واحد فقط؛ فالنتيجة تختلف حسب نوع العملية، ونوع الدواء، ومدة العلاج، وخصائص المريض، ومدى التزامه بتغيير نمط حياته.

رابعاً: ماذا عن مرض السكري من النوع الثاني؟

يمكن لكل من أدوية السمنة الحديثة وجراحات السمنة أن تساعد بشكل كبير في تحسين السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني المصاحب للسمنة.

وفي بعض الحالات، قد تؤدي جراحات السمنة، خاصة تحويل المسار، إلى تحسن سريع وملحوظ في مستويات السكر، وقد يصل بعض المرضى إلى مرحلة تقل فيها حاجتهم إلى أدوية السكري أو يتوقفون عنها تحت إشراف الطبيب.

لكن من المهم التأكيد أن هذا لا يعني أن السكري قد شُفي نهائياً، كما أن النتائج تختلف من شخص إلى آخر، ولا تكون الجراحة مناسبة لكل مريض.

وفي المقابل، توفر أدوية السمنة الحديثة تحسناً قوياً في التحكم بالسكر لدى كثير من المرضى، مع ميزة مهمة وهي أنها لا تتطلب تدخلاً جراحياً.

خامساً: ماذا يحدث عند إيقاف أدوية السمنة؟

هنا تظهر واحدة من أهم النقاط التي يجب أن يفهمها المريض.

ثورة أدوية السمنة الجديدة أمام جراحات السمنة... هل انتهى عصر المشرط؟

السمنة مرض مزمن، والجسم لديه آليات بيولوجية تدفعه إلى استعادة الوزن بعد فقدانه. لذلك، فإن إيقاف الدواء قد يؤدي لدى بعض المرضى إلى زيادة الشهية واستعادة جزء من الوزن المفقود.

وقد أظهرت الدراسات أن استعادة الوزن بعد إيقاف بعض أدوية السمنة الحديثة أمر شائع، ولذلك لا ينبغي النظر إلى هذه الأدوية على أنها "كورس مؤقت للتخسيس" ينتهي بمجرد الوصول إلى الوزن المطلوب.

وفي المقابل، لا تعني الجراحة أن زيادة الوزن مستحيلة. فقد يستعيد بعض المرضى جزءاً من الوزن بعد سنوات من العملية، خاصة مع مرور الوقت أو عودة بعض العادات الغذائية غير الصحية.

لكن الجراحة عادةً ما توفر فقداناً أكبر للوزن على المدى الطويل مقارنة بالعديد من العلاجات الدوائية المتاحة حالياً.

سادساً: هل أصبحت الجراحة شيئاً من الماضي؟

بالتأكيد لا.

ظهور أدوية السمنة الحديثة لم يُلغِ دور الجراحة، لكنه غيّر طريقة التفكير في علاج السمنة.

فالجراحة تظل خياراً قوياً ومهماً للمرضى الذين يعانون من السمنة الشديدة، خاصة عندما تكون مصحوبة بمضاعفات صحية مرتبطة بالوزن.

وفي الوقت نفسه، توفر الأدوية الجديدة فرصة علاجية مهمة للأشخاص الذين لا يحتاجون إلى الجراحة أو لا يرغبون فيها أو لا يستطيعون الخضوع لها لأسباب طبية.

كما أن بعض المرضى قد يستفيدون من استخدام الأدوية قبل الجراحة للمساعدة على خفض الوزن وتحسين حالتهم الصحية، بينما قد يحتاج آخرون إلى العلاج الدوائي بعد الجراحة إذا حدث ثبات في الوزن أو زيادة ملحوظة في الوزن مع مرور الوقت.

متى تكون جراحات السمنة خياراً مناسباً؟

قد تكون الجراحة خياراً مناسباً لبعض المرضى الذين يعانون من:

سمنة شديدة أو مفرطة وفقاً لمؤشر كتلة الجسم والحالة الصحية العامة.

سمنة مصحوبة بأمراض مرتبطة بالوزن، مثل السكري من النوع الثاني أو انقطاع التنفس أثناء النوم.

عدم تحقيق نتائج كافية من العلاج الغذائي والدوائي وتغيير نمط الحياة.

حاجة إلى تدخل أكثر فعالية واستدامة لفقدان الوزن وتحسين الأمراض المصاحبة.

لكن قرار الجراحة لا يعتمد على مؤشر كتلة الجسم وحده، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار الحالة الصحية للمريض، والأمراض المصاحبة، والقدرة على الالتزام بالمتابعة والتغذية المناسبة بعد العملية.

ومتى يمكن أن تكون الأدوية خياراً مناسباً؟

قد تكون أدوية السمنة الحديثة خياراً مناسباً للأشخاص الذين:

يعانون من السمنة أو زيادة الوزن مع وجود مشكلات صحية مرتبطة بالوزن.

لا يرغبون في الخضوع للجراحة.

لديهم أسباب طبية تجعل الجراحة غير مناسبة لهم.

يحتاجون إلى علاج دوائي طويل الأمد إلى جانب تحسين النظام الغذائي والنشاط البدني.

وفي جميع الحالات، يجب استخدام هذه الأدوية تحت إشراف طبي، لأن اختيار الدواء والجرعة ومتابعة الآثار الجانبية يعتمد على الحالة الصحية لكل شخص.

المستقبل: هل ستكون المعركة بين الدواء والجراحة؟

ربما يكون هذا السؤال نفسه غير دقيق.

فالمستقبل قد لا يعتمد على اختيار "الحقن أو الجراحة"، بل على اختيار العلاج المناسب لكل مريض.

قد يحتاج مريض إلى الدواء فقط، بينما يحتاج آخر إلى الجراحة، وقد يستفيد مريض ثالث من الجمع بين الجراحة والعلاج الدوائي في مراحل مختلفة من رحلة علاج السمنة.

فقد تُستخدم الأدوية للمساعدة على فقدان الوزن قبل الجراحة، أو لتحسين الحالة الصحية وتقليل المخاطر، أو بعد الجراحة عند حدوث زيادة في الوزن أو عدم الوصول إلى النتيجة المطلوبة.

وهنا يصبح علاج السمنة أقرب إلى خطة علاجية متكاملة وطويلة الأمد، وليس مجرد عملية أو حقنة أو نظام غذائي مؤقت.

الخلاصة

أحدثت أدوية السمنة الحديثة، مثل حقن سيماغلوتايد وتيرزيباتيد، ثورة حقيقية في طريقة علاج السمنة، وأثبتت أن العلاج الدوائي يمكن أن يحقق فقداناً كبيراً للوزن ويحسن العديد من المشكلات الصحية المرتبطة بالسمنة.

لكن هذا التطور لا يعني أن عصر جراحات السمنة قد انتهى.

فالجراحة لا تزال من أقوى الخيارات العلاجية لفقدان الوزن الكبير والمستدام، بينما توفر الأدوية الحديثة خياراً غير جراحي فعالاً لمجموعة واسعة من المرضى.

والأهم أن السمنة ليست مجرد مشكلة في قوة الإرادة أو كثرة تناول الطعام، بل هي مرض مزمن ومعقد تتداخل فيه الشهية والهرمونات والتمثيل الغذائي والعوامل النفسية والبيئية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد:

هل أختار الحقن أم الجراحة؟ ولكن :

ما العلاج الأنسب لحالتي الصحية؟ وهل أحتاج إلى دواء، أم جراحة، أم مزيج من الاثنين؟

ففي علاج السمنة، لا يوجد علاج واحد يناسب الجميع... لكن توجد خطة علاجية مناسبة لكل مريض عندما يتم اختيارها بشكل صحيح.

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة