

بقلم أ.د/ محمد حنيش
أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ في ٣:٣٠ م
قبل سنوات، كانت حلقة المعدة (Gastric Band) واحدة من أشهر عمليات علاج السمنة المفرطة. واليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على انتشارها، يواجه بعض المرضى مشكلة مختلفة: الحلقة التي ساعدتهم في البداية على فقدان الوزن قد تصبح مع الوقت سبباً لمضاعفات تحتاج إلى تدخل طبي أو جراحي.
فماذا يحدث للحلقة بعد سنوات؟ ومتى يصبح من الضروري إزالتها؟ وهل يمكن تحويلها بعد ذلك إلى تكميم أو تحويل مسار؟
أولاً.. ما هي حلقة المعدة؟
حلقة المعدة، أو Gastric Banding، هي إحدى جراحات السمنة (Bariatric Surgery) التي تهدف إلى المساعدة في علاج السمنة المفرطة.
تقوم الفكرة على وضع حلقة سيليكون قابلة للتعديل حول الجزء العلوي من المعدة، لتكوين جيب صغير يجعل الشعور بالشبع يأتي بعد تناول كمية أقل من الطعام.
وعلى عكس التكميم أو تحويل المسار، لا يتم في هذه العملية استئصال جزء من المعدة أو تغيير مسار الأمعاء؛ لذلك تُصنف أساساً كجراحة تقييدية تقلل كمية الطعام التي يستطيع الشخص تناولها في المرة الواحدة.
لكن نجاحها على المدى الطويل لم يكن دائماً بالمستوى المتوقع، ولذلك تراجع استخدامها مقارنة بالتكميم وتحويل المسار.
عندما تبدأ المشكلة.. انزلاق الحلقة أو تآكلها
من أهم المضاعفات المتأخرة التي قد تحدث بعد سنوات من تركيب الحلقة:
قد تتحرك الحلقة من موضعها الطبيعي، ما يؤدي إلى تغير شكل الجيب المعدي الموجود فوقها.
وقد ينتج عن ذلك:
صعوبة أو ألم أثناء البلع.
ارتجاع شديد.
قيء متكرر.
عدم القدرة على تحمل الطعام.
توسع الجزء العلوي من المعدة أو المريء في بعض الحالات.
وتختلف شدة المشكلة من شخص إلى آخر، ولا يعني وجود الأعراض بالضرورة حدوث انسداد كامل.
وهذه من المضاعفات الأكثر أهمية.
في بعض الحالات، قد تضغط الحلقة لفترة طويلة على جدار المعدة، ومع مرور الوقت قد تنغرس تدريجياً داخل الأنسجة وتخترق جدار المعدة جزئياً أو كلياً.
وقد لا تكون الأعراض واضحة في البداية، لكن يمكن أن تظهر لاحقاً في صورة ألم، أو نزيف، أو أعراض عدوى، أو مشكلات مرتبطة بوظيفة الحلقة.
ولهذا فإن ظهور أعراض جديدة لدى شخص لديه حلقة معدة قديمة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد "حموضة" أو اضطراب هضمي عابر.
ولماذا قد يعود الوزن بعد سنوات؟
هناك مشكلة أخرى تختلف عن المضاعفات الجراحية المباشرة، وهي ضعف فعالية الحلقة مع مرور الوقت واستعادة جزء من الوزن.
فالحلقة تعتمد أساساً على تقليل كمية الطعام، ولا تُحدث التغييرات الفسيولوجية نفسها التي تحدثها بعض عمليات السمنة الأخرى.
كما أن بعض المرضى يستطيعون مع الوقت الاعتماد على أطعمة ومشروبات مرتفعة السعرات وسهلة المرور عبر الحلقة، مثل المشروبات السكرية والحلويات والأطعمة اللينة.
وهكذا يمكن أن يعود فائض السعرات، حتى مع وجود الحلقة.
لكن استعادة الوزن ليست دليلاً وحدها على وجود عطل في الحلقة؛ فقد تتداخل معها عوامل عديدة مثل التغيرات السلوكية، والنشاط البدني، والتكيف مع العملية، والتغيرات الأيضية.
ماذا يحدث إذا أصبحت الحلقة مشكلة؟
هنا تبدأ مرحلة مختلفة تسمى:
Revisional Bariatric Surgery — جراحات السمنة التصحيحية
والمقصود بها إجراء تدخل جراحي جديد لتصحيح أو تغيير نتيجة جراحة سمنة سابقة.
وقد يكون الهدف:
إزالة الحلقة فقط في بعض الحالات.
إزالة الحلقة ثم إجراء عملية سمنة أخرى.
أو تحويل المريض لاحقاً إلى تكميم المعدة (Sleeve Gastrectomy) أو تحويل المسار (Gastric Bypass)، بحسب حالته.
لكن القرار ليس واحداً لكل المرضى.
فوجود تآكل، أو التهاب، أو تليف شديد حول المعدة، أو مشكلة في المريء، قد يجعل إجراء العملية الجديدة في الجلسة نفسها أكثر خطورة.
لذلك قد يختار الجراح في بعض الحالات نهجاً على مرحلتين (Two-Stage Approach): إزالة الحلقة وعلاج المشكلة أولاً، ثم الانتظار حتى تتعافى الأنسجة قبل إجراء جراحة السمنة الجديدة.
أما مدة الانتظار، فلا توجد قاعدة ثابتة مثل شهرين أو ثلاثة أشهر تصلح للجميع، فهي تعتمد على وجود الالتهاب والتآكل، وحالة أنسجة المعدة، ونوع الجراحة المطلوبة، وتقييم الفريق الجراحي.
كيف يتم اكتشاف المشكلة؟
يعتمد التقييم على الأعراض والتاريخ الجراحي والفحص، وقد يحتاج المريض إلى أكثر من وسيلة تشخيصية.
منظار الجهاز الهضمي العلوي (Upper Endoscopy)
وهو مهم بصورة خاصة عند الاشتباه في تآكل الحلقة داخل المعدة أو وجود التهاب أو نزيف، إذ يسمح برؤية الجزء الداخلي من المعدة بشكل مباشر.
الأشعة بالصبغة على الجهاز الهضمي العلوي (Upper GI Contrast Study)
قد تساعد في تقييم شكل المعدة وموقع الحلقة وحركة الطعام عبر الجزء العلوي من الجهاز الهضمي.
الأشعة المقطعية (CT Scan)
قد يستخدم الطبيب الأشعة المقطعية في حالات معينة عندما يحتاج إلى معلومات إضافية عن المضاعفات أو الأنسجة المحيطة.
المهم أن اختيار الفحص يعتمد على المشكلة المشتبه بها، وليس هناك فحص واحد مناسب لكل المرضى.
متى يجب ألا تتجاهل الأعراض؟
إذا كنت قد خضعت لتركيب حلقة معدة منذ سنوات وبدأت تعاني من:
قيء متكرر أو جديد.
صعوبة متزايدة في البلع.
ألم مستمر أعلى البطن أو خلف عظمة الصدر.
ارتجاع شديد ومستمر.
عدم القدرة على تناول الطعام أو السوائل بصورة طبيعية.
قيء دموي أو براز أسود.
فهذه أعراض تستحق تقييماً طبياً سريعاً، وبعضها يستدعي تقييماً عاجلاً.
هل كل شخص لديه حلقة قديمة يحتاج إلى إزالتها؟
لا.
وجود الحلقة لسنوات، وحده، لا يعني أنها أصبحت خطرة أو يجب إزالتها.
لكن المريض الذي لديه حلقة قديمة يحتاج إلى معرفة حالتها ومتابعة أي أعراض جديدة، خصوصاً إذا كانت هناك مشكلات في البلع أو الارتجاع أو الوزن أو شك في حدوث مضاعفات.
وفي حالة وجود مشكلة حقيقية، فالأفضل أن يتم تقييم المريض لدى جراح أو فريق طبي لديه خبرة في جراحات السمنة التصحيحية، لأن الجراحة بعد عملية سابقة تختلف تقنياً عن إجراء العملية لأول مرة.
الخلاصة
حلقة المعدة كانت إحدى الأدوات المهمة في تاريخ جراحات علاج السمنة المفرطة، لكنها لم تعد تحظى بالمكانة نفسها التي تتمتع بها بعض العمليات الأحدث.
وبعد مرور سنوات على تركيبها، قد تظهر لدى بعض المرضى مضاعفات مثل الانزلاق أو التآكل أو الارتجاع الشديد، بينما يعاني آخرون من استعادة الوزن دون وجود مضاعفة خطيرة في الحلقة نفسها.
والأهم أن ظهور مشكلة لا يعني بالضرورة أن المريض يحتاج فوراً إلى تكميم أو تحويل مسار.
التشخيص أولاً، ثم تحديد سبب المشكلة، ثم اختيار نوع التدخل وتوقيته.
ففي جراحات السمنة التصحيحية تحديداً، لا يكون السؤال فقط:
"ما العملية التي سنجريها؟"
بل الأهم:
"هل المعدة والأنسجة المحيطة بها جاهزة لهذه العملية الآن؟"

بقلم أ.د/ محمد حنيش
أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ في ٣:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.