

بقلم أ.د/ فاطمة يونس
مدير قسم التطوير العلمي بهيلث ناتو،
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٥ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٠:٣٠ ص
ليس كل اكتشاف علمي يعني أن العلاج أصبح متاحاً، لكن بعض الاكتشافات قد تغير مستقبل الطب بالكامل.
وخلال السنوات الأخيرة، تصدرت الخلايا الجذعية عناوين الأبحاث الطبية بعد نتائج وصفت بأنها من أكثر التطورات إثارة في مجال علاج السكري من النوع الأول. بل إن بعض المرضى المشاركين في التجارب السريرية استطاعوا إنتاج الإنسولين مجدداً، واستغنى عدد محدود منهم عن الحقن لفترات طويلة تحت متابعة طبية دقيقة.
فهل اقتربنا بالفعل من نهاية عصر حقن الإنسولين؟
الإجابة تحمل كثيراً من الأمل... لكنها تحتاج أيضاً إلى كثير من الواقعية.
لماذا يختلف السكري من النوع الأول؟
داخل البنكرياس توجد تجمعات من الخلايا تُعرف باسم جزر لانجرهانز (Islets of Langerhans)، وتحتوي على خلايا بيتا (Beta Cells) المسؤولة عن إنتاج الإنسولين.
في مرض السكري من النوع الأول، يهاجم الجهاز المناعي هذه الخلايا ويدمرها، فيتوقف الجسم عن إنتاج الإنسولين تقريباً، ويصبح المريض معتمداً على الحقن أو المضخات مدى الحياة.
ولهذا، فإن استبدال خلايا بيتا المفقودة يمثل أحد أكثر الحلول منطقية لعلاج المرض من جذوره.
أما في السكري من النوع الثاني، فالصورة أكثر تعقيداً؛ إذ لا تقتصر المشكلة على خلايا بيتا، بل تشمل أيضاً مقاومة الإنسولين واضطرابات أيضية متعددة، لذلك لا يُعد العلاج بالخلايا الجذعية حلاً مناسباً لمعظم مرضى النوع الثاني في الوقت الحالي.
كيف تتحول خلية جلد إلى خلية تُفرز الإنسولين؟
هنا تبدأ واحدة من أكثر التقنيات إبهاراً في الطب الحديث.
يستطيع الباحثون أخذ خلايا عادية من الجسم، مثل خلايا الجلد، ثم إعادة برمجتها داخل المختبر لتصبح خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات (iPSCs)، وهي خلايا قادرة على التحول إلى أنواع مختلفة من خلايا الجسم.
بعد ذلك، تُوجَّه هذه الخلايا عبر مراحل دقيقة لتتحول إلى خلايا بيتا ناضجة قادرة على استشعار مستوى الجلوكوز وإفراز الإنسولين بطريقة تحاكي الخلايا الطبيعية.
وبمجرد نجاح هذه الخطوة، يمكن زراعة الخلايا داخل الجسم باستخدام تقنيات متطورة تسمح لها بالاستمرار في أداء وظيفتها.
إذا كانت التقنية ناجحة... فلماذا لا تُستخدم في كل المستشفيات؟
لأن التحدي الأكبر ليس إنتاج الخلايا، بل حمايتها.
فالجهاز المناعي الذي دمر خلايا بيتا الأصلية قد يهاجم الخلايا المزروعة أيضاً، مما يؤدي إلى فقدانها مرة أخرى.
ولهذا يعمل الباحثون على عدة حلول، من أهمها:
- التغليف الحيوي (Microencapsulation): وضع الخلايا داخل أغشية دقيقة تسمح بمرور الأكسجين والجلوكوز وخروج الإنسولين، مع الحد من وصول الخلايا المناعية إليها.
- التعديل الجيني: تطوير الخلايا وراثياً لتقليل التعرف المناعي عليها، وهي تقنية ما تزال قيد البحث ولم تتحول إلى علاج روتيني حتى الآن.
أين وصل العلم؟
النتائج السريرية الأخيرة كانت مشجعة للغاية.
فقد أظهرت تجارب على خلايا بيتا المشتقة من الخلايا الجذعية أن بعض مرضى السكري من النوع الأول تمكنوا من استعادة إنتاج الإنسولين، واستغنى عدد محدود منهم عن الحقن لفترات متفاوتة، مع تحسن واضح في السيطرة على مستوى السكر.
لكن هذه النتائج ما تزال تخص عدداً محدوداً من المرضى داخل تجارب سريرية، ولا تعني أن العلاج أصبح متاحاً لجميع المصابين.
احذر من تجارة الخلايا الجذعية
بالتوازي مع هذه الإنجازات العلمية، ظهرت مراكز تدّعي علاج السكري بحقن الخلايا الجذعية عبر الوريد.
حتى الآن، لا توجد أدلة علمية قوية تثبت أن هذه الممارسات تعالج السكري، كما أن بعضها قد يحمل مخاطر حقيقية إذا أُجري خارج المراكز البحثية أو الطبية المتخصصة.
ولهذا، ينبغي التفريق بين الأبحاث السريرية الموثقة وبين الوعود التجارية التي تستغل آمال المرضى.
هل اقتربت نهاية حقن الإنسولين؟
ليس بعد.
لكن للمرة الأولى منذ اكتشاف الإنسولين قبل أكثر من مائة عام، أصبح العلماء قادرين على إعادة إنتاج خلايا بيتا الوظيفية داخل المختبر، وهو إنجاز كان يُعد حتى وقت قريب أقرب إلى الخيال العلمي.
ورغم أن الطريق ما زال يتطلب مزيداً من الدراسات لإثبات الأمان والفعالية على المدى الطويل، فإن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة حقيقية نحو تغيير مستقبل علاج السكري من النوع الأول.
الخلاصة
الخلايا الجذعية ليست علاجاً سحرياً، لكنها أيضاً ليست مجرد حلم.
إنها واحدة من أكثر التقنيات الطبية الواعدة في علاج السكري من النوع الأول، وقد تفتح الباب مستقبلاً أمام تقليل الاعتماد على حقن الإنسولين أو الاستغناء عنها لدى بعض المرضى.
لكن حتى يتحقق ذلك على نطاق واسع، يبقى الإنسولين والعلاجات المعتمدة حجر الأساس في السيطرة على المرض، بينما تستمر الأبحاث في الاقتراب من هدف ظل لعقود يبدو بعيد المنال: إعادة البنكرياس إلى إنتاج الإنسولين من جديد.

بقلم أ.د/ فاطمة يونس
مدير قسم التطوير العلمي بهيلث ناتو،
أستاذ أمراض الكبد والجهاز الهضمي
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٥ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٠:٣٠ ص
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.