

بقلم أ.د/ محمد حنيش
أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو
في ١٨ يوليو ٢٠٢٦ في ١٠:٣٠ ص
يعتقد كثير من الأشخاص أن الفتق ليس أكثر من بروز بسيط أسفل الجلد يمكن التعايش معه لسنوات، خاصة إذا كان لا يسبب ألماً شديداً. ولذلك يؤجل بعض المرضى الجراحة معتقدين أن المشكلة تجميلية أو غير خطيرة. لكن الحقيقة أن بعض حالات الفتق قد تتحول بصورة مفاجئة إلى حالة طبية طارئة تُهدد حياة المريض، إذا انحبس جزء من الأمعاء داخل الفتق وانقطع عنه تدفق الدم. وتُعرف هذه الحالة باسم الفتق المخنوق (Strangulated Hernia)، وهي من الحالات الجراحية التي تتطلب تدخلاً عاجلاً للحفاظ على سلامة الأمعاء ومنع حدوث مضاعفات خطيرة.
- ما هو الفتق؟ يحدث الفتق عندما تتكون نقطة ضعف أو فتحة في جدار البطن، تسمح بخروج جزء من الأمعاء أو الأنسجة الدهنية إلى خارج التجويف البطني، مكونةً بروزاً قد يزداد وضوحاً عند الوقوف أو السعال أو حمل الأشياء الثقيلة. وقد يظهر الفتق في أماكن مختلفة، مثل: الفتق الإربي (Inguinal Hernia). الفتق السري (Umbilical Hernia). الفتق الجراحي الذي يظهر مكان العمليات السابقة (Incisional Hernia). وفي كثير من الحالات يمكن إعادة هذا البروز إلى داخل البطن بسهولة، وهو ما يُعرف بالفتق القابل للرد.
- متى يصبح الفتق خطيراً؟ تكمن الخطورة عندما تنحصر الأمعاء داخل فتحة الفتق ولا تستطيع العودة إلى مكانها الطبيعي. وتحدث المضاعفات عادةً على مرحلتين:
أولاً: الفتق المنحبس (Incarcerated Hernia) في هذه المرحلة تُحتجز الأمعاء داخل الفتق، فلا يمكن إعادتها إلى التجويف البطني بسهولة. وقد يشعر المريض بألم موضعي مع بروز ثابت لا يختفي عند الاستلقاء، وقد يبدأ ظهور أعراض انسداد الأمعاء إذا استمر الانحباس.
ثانياً: الفتق المخنوق (Strangulated Hernia) إذا استمر الضغط على الأمعاء المحبوسة، يبدأ أولاً في إعاقة رجوع الدم الوريدي، مما يؤدي إلى احتقانها وتورمها. ومع ازدياد الضغط قد يتأثر أيضاً تدفق الدم الشرياني، فتقل كمية الأكسجين الواصلة إلى الأنسجة، ويبدأ النسيج المعوي في التلف. وإذا لم يُعالج المريض بسرعة، فقد يحدث نخر (غرغرينا) في الجزء المصاب من الأمعاء، وقد تنثقب الأمعاء وتتسرب محتوياتها إلى التجويف البطني، مما يؤدي إلى التهاب الصفاق (Peritonitis) وقد يتطور إلى تسمم الدم (Sepsis)، وهي حالة تهدد الحياة وتتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً.

- ما العلامات التي تستدعي التوجه إلى الطوارئ فوراً؟ إذا كان المريض يعاني من فتق وظهرت أي من الأعراض التالية، فيجب عدم تأخير التقييم الطبي: ألم شديد أو متزايد في منطقة الفتق. بروز لا يمكن إعادته إلى الداخل. احمرار أو تغير لون الجلد فوق الفتق. غثيان أو قيء متكرر. انتفاخ البطن. توقف خروج الغازات أو البراز. ارتفاع درجة الحرارة أو تدهور الحالة العامة. ظهور هذه الأعراض قد يشير إلى حدوث اختناق في الأمعاء، ويستلزم التقييم الجراحي العاجل.
- ماذا يحدث داخل غرفة العمليات؟ في حالات الفتق غير المعقد، يكون الهدف من الجراحة إعادة الأنسجة إلى مكانها الطبيعي وإصلاح نقطة الضعف في جدار البطن، وغالباً باستخدام شبكة جراحية عندما يكون ذلك مناسباً. أما في حالة الفتق المخنوق، فتكون الأولوية لإنقاذ الأمعاء. يقوم الجراح أولاً بتحرير الجزء المحبوس واستعادة تدفق الدم إليه، ثم يُقيِّم حيوية الأمعاء بعناية. إذا استعادت الأمعاء لونها الطبيعي وعاد وصول الدم إليها بصورة جيدة يمكن الحفاظ عليها. أما إذا كان جزء منها قد تعرض لنخر غير قابل للعلاج، فقد يلزم استئصال هذا الجزء ثم إعادة توصيل الطرفين السليمين من الأمعاء. وفي الحالات التي يصاحبها تلوث داخل البطن، قد يقرر الجراح عدم استخدام الشبكة الصناعية أثناء العملية لتقليل خطر العدوى، ويختار الطريقة الأنسب وفقاً للحالة الجراحية.
- هل يمكن الوقاية من هذه المضاعفات؟ أفضل وسيلة للوقاية هي عدم تأجيل تقييم الفتق عند الجراح، خاصة إذا كان يزداد حجماً أو يسبب أعراضاً. فإصلاح الفتق في جراحة مخططة يكون عادةً أكثر أماناً وأسهل تعافياً من إجراء جراحة طارئة بعد حدوث اختناق للأمعاء.
الخلاصة معظم حالات الفتق لا تُعد حالة طارئة عند اكتشافها، لكنها قد تتحول في بعض الأحيان إلى حالة خطيرة إذا انحبس جزء من الأمعاء وانقطع عنه تدفق الدم. لذلك، لا ينبغي التعامل مع الفتق باعتباره مجرد بروز تحت الجلد، بل يجب متابعته مع الجراح في الوقت المناسب، لأن التدخل المبكر قد يمنع مضاعفات قد تصل إلى استئصال جزء من الأمعاء أو تهدد حياة المريض. ففي جراحة الفتق، لا تكمن أهمية الوقت في سرعة العملية فقط... بل في منع المشكلة قبل أن تتحول إلى حالة طارئة.

بقلم أ.د/ محمد حنيش
أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو
في ١٨ يوليو ٢٠٢٦ في ١٠:٣٠ ص
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.