"صحه عامهتمت المراجعة العلمية

خرجت من العملية بنجاح؟ انتظر... فالمعركة الحقيقية داخل بطنك قد تكون بدأت تواً في صمت!

خرجت من العملية بنجاح؟ انتظر... فالمعركة الحقيقية داخل بطنك قد تكون بدأت تواً في صمت!
الإلتصاقات البريتونية بعد الجراحة: أشرطة ليفية قد تتكوّن بين أعضاء البطن أو بينها وبين جدار البطن بعد العمليات الجراحية وغالبًا تمر دون أعراض، لكنها قد تسبب ألمًا مزمنًا أو انسدادًا معويًا في بعض الحالات.
أ.د/ محمد حنيش

بقلم أ.د/ محمد حنيش

أستاذ واستشاري الجراحات العامة والمناظير وجراحات السمنة المفرطة والتجميل والأورام

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة القسم العلمي بهيلث ناتو

في ١٣ يوليو ٢٠٢٦ في ١٠:٣٠ ص

أهم النقاط

  • قد تتكوّن الإلتصاقات البريتونية لدى نسبة كبيرة من المرضى بعد جراحات البطن والحوض، وقد تتجاوز 90% في بعض العمليات الكبرى، إلا أن معظمها يبقى دون أعراض ولا يسبب أي مشكلات صحية.
  • تنشأ الإلتصاقات عندما تستمر شبكة الفيبرين الناتجة عن التئام الجروح بسبب ضعف آلية إذابتها الطبيعية، فتغزوها الخلايا الليفية وتترسب فيها ألياف الكولاجين لتتحول إلى أشرطة ليفية دائمة بين أعضاء البطن.
  • رغم أن كثيرًا من الإلتصاقات لا يسبب أعراضًا، فإن بعضها قد يؤدي إلى ألم مزمن، واضطرابات في حركة الأمعاء، أو انسداد معوي خطير، ويمكن تقليل خطر تكوّنها باستخدام التقنيات الجراحية الدقيقة والجراحة بالمنظار عند ملاءمتها للحالة.

عندما تُغلق آخر غرز الجراحة، ويعلن الجرّاح نجاح العملية، يعتقد معظم المرضى أن رحلة العلاج قد انتهت. لكن داخل تجويف البطن قد تبدأ قصة أخرى لا يشعر بها المريض ولا يراها بالعين المجردة.

إنها الإلتصاقات البريتونية (Peritoneal Adhesions)، وهي أشرطة ليفية قد تتكوّن بين أعضاء البطن أو بينها وبين جدار البطن بعد العمليات الجراحية. وتشير الدراسات إلى أن هذه الإلتصاقات قد تتكوّن لدى نسبة كبيرة من المرضى بعد جراحات البطن والحوض، وقد تتجاوز نسبتها 90% في بعض أنواع الجراحات الكبرى.

ورغم أن كثيراً من هذه الإلتصاقات يظل دون أعراض، فإن بعضها قد يتحول مع مرور الوقت إلى سبب للألم المزمن، أو اضطرابات حركة الأمعاء، أو العقم في بعض جراحات الحوض، بل وقد يؤدي في بعض الحالات إلى انسداد معوي خطير يستدعي تدخلاً جراحياً عاجلاً.

لماذا تتكوّن الإلتصاقات؟

لفهم هذه الظاهرة، علينا أولاً التعرف إلى الصفاق (Peritoneum)، وهو غشاء رقيق وأملس يبطّن التجويف البطني ويغلف معظم أعضاء البطن، ويتيح لها الحركة والانزلاق بحرية أثناء الهضم وحركة الجسم.

وأثناء الجراحة قد يتعرض هذا الغشاء للإصابة، أو النزف الموضعي، أو الجفاف المؤقت، أو التهيج الناتج عن التعامل الجراحي. ورغم أن هذه التغيرات تُعد جزءاً طبيعياً من معظم العمليات، فإنها تُحفّز آليات التئام الجروح الطبيعية في الجسم.

وفي أغلب المرضى تنتهي هذه العملية بالشفاء الطبيعي، لكن لدى بعضهم قد تنتهي بتكوّن إلتصاقات دائمة.

الإلتهاب والفيبرين... بداية تكوّن الإلتصاقات

بمجرد حدوث الإصابة الجراحية، تنشط الخلايا المناعية وتُفرز وسائط إلتهابية تؤدي إلى زيادة نفاذية الأوعية الدموية الدقيقة.

ونتيجة لذلك، تتسرب بروتينات البلازما إلى موضع الإصابة، ومن بينها الفيبرينوجين (Fibrinogen)، الذي يتحول لاحقاً إلى الفيبرين (Fibrin)، وهو البروتين الذي يُكوّن شبكة مؤقتة تساعد على تثبيت الأنسجة في المراحل الأولى من الالتئام.

وفي هذه المرحلة يؤدي الفيبرين دوراً مهماً ومفيداً، إذ يعمل كجسر مؤقت يربط الأنسجة المصابة حتى تبدأ عملية الإصلاح.

عندما تتعطل آلية التنظيف الطبيعية

في الظروف الطبيعية يمتلك الجسم منظومة متخصصة تُعرف باسم منظومة إذابة الفيبرين (Fibrinolytic System)، وهي المسؤولة عن إزالة هذا الفيبرين الزائد بعد انتهاء دوره.

وتعتمد هذه المنظومة على عدد من الإنزيمات، أهمها منشط البلازمينوجين النسيجي (tPA)، الذي يُنتج إنزيم البلازمين المسؤول عن تفكيك الفيبرين.

لكن في بعض الحالات، مثل الجراحات الواسعة، أو نقص التروية الدموية الموضعية، أو استمرار الالتهاب، أو وجود عدوى، قد تقل كفاءة هذه المنظومة، فيبقى الفيبرين لفترة أطول من المعتاد.

ومع مرور الوقت، تبدأ الخلايا الليفية (Fibroblasts) في غزو هذه الشبكة المؤقتة وإفراز ألياف الكولاجين داخلها، كما تنمو أوعية دموية وألياف عصبية جديدة، لتتحول هذه البنية المؤقتة تدريجياً إلى شريط ليفي دائم يُعرف بالإلتصاق الجراحي.

متى تصبح الإلتصاقات مشكلة؟

ليست جميع الإلتصاقات مرضية، فكثير منها لا يسبب أي أعراض، وقد لا يُكتشف طوال حياة المريض.

لكن عندما تكون كثيفة أو تتكوّن في أماكن حساسة، فقد تحدّ من الحركة الطبيعية للأمعاء أو تشد بعض الأعضاء من مواضعها الطبيعية، مما قد يؤدي إلى:

- آلام متكررة أو مزمنة في البطن. - الانتفاخ والشعور بالامتلاء. - اضطرابات في حركة الأمعاء. - انسداد معوي جزئي أو كامل في بعض الحالات.

ويُعد الإنسداد المعوي الناتج عن الإلتصاقات من أكثر المضاعفات المتأخرة شيوعاً بعد جراحات البطن، وما يزال سبباً مهماً لدخول المرضى إلى أقسام الطوارئ في مختلف أنحاء العالم.

هل يمكن للجراح تقليل خطر الإلتصاقات ؟

شهدت الجراحة الحديثة تطوراً كبيراً في فهم كيفية الوقاية من الإلتصاقات.

فعندما تكون الجراحة بالمنظار مناسبة لحالة المريض، فإنها غالباً ما تُسبب إصابة نسيجية أقل مقارنة بالجراحة المفتوحة، وقد ارتبطت بانخفاض خطر تكوّن الإلتصاقات في العديد من العمليات.

كما يحرص الجرّاحون ذوو الخبرة على استخدام تقنيات دقيقة في التعامل مع الأنسجة، والحد من الإصابات غير الضرورية، والحفاظ على رطوبة الأنسجة أثناء الجراحة، والسيطرة الدقيقة على النزف.

وفي بعض العمليات، قد تُستخدم حواجز حيوية قابلة للإمتصاص، مثل الأغشية المحتوية على حمض الهيالورونيك وكربوكسي ميثيل السليلوز أو السليلوز المؤكسد المتجدد، لتعمل كحاجز مؤقت يفصل بين الأنسجة خلال الأيام الأولى من الالتئام، مما قد يقلل من احتمال تكوّن الإلتصاقات الدائمة.

الخلاصة

تُعد الإلتصاقات البريتونية من المضاعفات الشائعة بعد جراحات البطن والحوض، لكنها لا تعني بالضرورة أن المريض سيعاني من أعراض أو مضاعفات مستقبلاً. ومع ذلك، فإنها ما تزال من أهم أسباب الإنسداد المعوي الناتج عن الإلتصاقات، وآلام البطن المزمنة، وصعوبة إجراء العمليات الجراحية اللاحقة.

وقد أسهم فهم الآليات البيولوجية لتكوّن الإلتصاقات في تطوير الممارسة الجراحية الحديثة، فأصبحت التقنيات الجراحية الدقيقة، والجراحات محدودة التدخل كلما أمكن، ووسائل الوقاية المعتمدة على الأدلة العلمية، جزءاً أساسياً من الرعاية الجراحية عالية الجودة.

وفي النهاية، لا يُقاس نجاح العملية الجراحية بما يحدث داخل غرفة العمليات فحسب، بل أيضاً بمدى قدرتها على تقليل المضاعفات طويلة المدى بعد أن يغادر المريض المستشفى.

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة