

بقلم د. أميرة الطويل
فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلانية | أخصائية التغذية الإكلينيكية
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ في ٨:٣٤ م
طفلٌ يقف أمام رف الحلويات.
عيناه تتجهان فوراً إلى الحلوى الحمراء، والمشروب الأزرق، والجيلي الأخضر.
بالنسبة له، هذه الألوان تعني شيئاً واحداً:
«عايز دي!»
لكن بالنسبة لنا قد يظهر سؤالٌ مختلف:
لماذا هذا الطعام بهذا اللون أصلًا؟ وهل كثرة التعرض لهذه الألوان تستحق أن نقلق بشأنها؟
السؤال هنا ليس عن قطعة حلوى يأكلها الطفل من وقتٍ لآخر، وإنما عن التعرض المتكرر للألوان الصناعية كجزءٍ من النظام الغذائي اليومي.
وهنا تبدأ القصة.
الطفل ليس بالغاً صغيراً
تحدث خلال سنوات الطفولة مراحل مهمة من نمو الدماغ والجهاز العصبي، كما تختلف احتياجات الجسم وطريقة تعامله مع بعض المواد باختلاف العمر.
وفي الوقت نفسه، قد يحصل الطفل على كميةٍ أكبر نسبياً من بعض المكونات مقارنةً بوزن جسمه.
ولهذا تحظى الإضافات الغذائية، ومنها الألوان الصناعية، باهتمامٍ خاص عند تقييم سلامة الغذاء لدى الأطفال.
لكن السؤال الأهم:
هل يمكن أن تؤثر هذه الألوان في سلوك الطفل؟
ماذا تقول الدراسات؟
بدأ الاهتمام العلمي بهذه العلاقة منذ سنوات، وأظهرت بعض التجارب السريرية أن تناول خلطاتٍ معينة من الألوان الصناعية، وأحياناً مع مواد حافظة، قد يرتبط بزيادةٍ بسيطة في بعض مؤشرات فرط النشاط لدى مجموعةٍ من الأطفال.
وكانت دراسة Southampton المنشورة في مجلة The Lancet عام 2007 من أبرز الدراسات في هذا المجال، إذ وجدت تأثيرات سلوكية لدى بعض الأطفال بعد التعرض لخلطاتٍ محددة من الإضافات الغذائية.
كما أشارت بعض المراجعات والتحليلات للدراسات السريرية إلى احتمال وجود تأثير صغير على بعض الأعراض السلوكية، لكن الاستجابة تختلف بصورة كبيرة بين الأطفال، كما أن الأدلة المتاحة لها حدود منهجية يجب أخذها في الاعتبار.
إذن ماذا نستنتج؟
ليس أن كل طفلٍ سيتأثر.
وليس أن الألوان الصناعية تسبب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD.
لكن قد يكون هناك أطفالٌ أكثر حساسية لبعض الألوان أو الخلطات الغذائية، وقد تظهر لديهم تغيراتٌ سلوكية بسيطة.
وهذا فرقٌ مهم جدًا بين وجود ارتباطٍ محتمل وبين إثبات أن مادةً معينة تسبب اضطرابًا عصبياً محدداً.
وماذا عن السرطان؟
هنا يجب أن نكون أكثر دقة.
لا توجد قاعدةٌ علمية تقول إن كل الألوان الصناعية تسبب السرطان.
لكن بعض الألوان خضعت، وما زالت تخضع، لإعادة تقييمٍ علمي وتنظيمي مع ظهور بياناتٍ جديدة.
ومن أبرز الأمثلة Red No. 3 – الصبغة الحمراء رقم 3، والمعروفة أيضاً باسم Erythrosine.
في الولايات المتحدة، اتخذت إدارة الغذاء والدواء FDA في عام 2025 إجراءً تنظيمياً بإلغاء السماح باستخدام هذه الصبغة في الأغذية والأدوية التي تؤخذ عن طريق الفم، بعد تقييم البيانات السمية المتاحة.
لكن هذا لا يعني أن تناول منتجٍ واحد يحتوي عليها سيؤدي إلى الإصابة بالسرطان، كما أن نتائج الدراسات الحيوانية لا يمكن نقلها مباشرةً إلى الإنسان دون تقييمٍ دقيق للجرعة، ومدة التعرض، وآلية التأثير، ومدى انطباق النتائج على البشر.
وهنا تظهر قاعدةٌ مهمة في قراءة الأخبار الصحية:
وجود مادةٍ تحت إعادة التقييم أو اتخاذ إجراء تنظيمي بشأنها لا يعني تلقائياً أن تناولها يسبب المرض لدى الإنسان.
يجب دائماً النظر إلى نوع الدليل، والجرعة، ومدة التعرض، وآلية التأثير، ومدى انطباق نتائج الدراسات الحيوانية على الإنسان.
المشكلة قد لا تكون في اللون وحده
عندما يأكل الطفل حلوى شديدة الألوان، فهو لا يحصل فقط على اللون.
غالباً ما يحصل معها على:
سكرٍ مضاف، ومواد مضافة متعددة، وسعراتٍ حرارية، وقيمةٍ غذائية محدودة.
لذلك قد يكون السؤال الأهم:
هل أصبح هذا النوع من الطعام جزءًا يوميًا من غذاء الطفل؟
فطفل يتناول قطعة حلوى ملونة أحياناً يختلف تماماً عن طفلٍ يعتمد يومياً على المشروبات الملونة، والحلوى، وحبوب الإفطار شديدة التصنيع، والوجبات الخفيفة المصنعة.
وهنا يصبح الهدف ليس فقط البحث عن «لونٍ شرير»، وإنما تقليل الاعتماد على الأغذية شديدة التصنيع ككل.
ماذا نفعل كمتخصصين؟
لا نحتاج إلى تحويل غذاء الطفل إلى قائمةٍ طويلة من الممنوعات.
لكن يمكننا ببساطة:
- اختيار الأغذية الأقل تصنيعاً كلما أمكن.
- قراءة قائمة المكونات، وليس شكل العبوة فقط.
- عدم جعل الحلوى والمشروبات شديدة الألوان عادةً يومية.
- الاعتماد بصورةٍ أكبر على الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة ومصادر البروتين المتنوعة.
- تجنب الحميات الاستبعادية الواسعة دون سببٍ واضح.
- إذا لاحظ الأهل نمطًا متكررًا لتغير السلوك بعد منتجٍ معين، يمكن تسجيل ما يحدث وتقييمه بصورةٍ منظمة مع طبيب الأطفال أو اختصاصي التغذية.
والأهم: لا ينبغي أن تتحول المخاوف من الألوان الصناعية إلى خوفٍ من كل الأغذية المصنعة أو إلى حمية مقيدة للطفل دون داعٍ.
فالهدف هو تحسين جودة النظام الغذائي، وليس خلق علاقةٍ غير صحية مع الطعام.
الخلاصة
الألوان الصناعية ليست قصة «سموم» مقابل «مواد آمنة تماماً».
الصورة العلمية أكثر تعقيداً.
تشير الأدلة إلى أن بعض الأطفال قد يكونون أكثر حساسية لبعض الألوان الصناعية، وقد تظهر لديهم تغيرات سلوكية بسيطة، لكن هذا لا يعني أن الألوان الصناعية تسبب اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
وفي الوقت نفسه، خضعت بعض الألوان لإجراءات تنظيمية جديدة، مثل Red No. 3 في الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يعني أن جميع الألوان الصناعية تسبب السرطان، أو أن التعرض العرضي لمنتجٍ واحد يمثل الخطر نفسه.
وفي النهاية، ربما يكون التركيز الأفضل ليس على لونٍ واحد، وإنما على الصورة الأكبر:
ما الذي يأكله الطفل معظم أيام الأسبوع؟
فبدل أن نسأل:
«هل هذه الحلوى الملونة ممنوعة؟»
ربما يكون السؤال الأهم:
«كم مرة أصبح هذا النوع من الطعام جزءاً من غذاء طفلي؟»

بقلم د. أميرة الطويل
فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلانية | أخصائية التغذية الإكلينيكية
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ في ٨:٣٤ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.
تغذية علاجية
"صحه عامه
التغذية
التغذيه العلاجيه