التغذيةتمت المراجعة العلمية

سمنة الفتيات في الطفولة والخصوبة مستقبلاً.. ماذا تكشف دراسة ضخمة عن فرص الإنجاب؟

سمنة الفتيات في الطفولة والخصوبة مستقبلاً.. ماذا تكشف دراسة ضخمة عن فرص الإنجاب؟
السمنة في الطفولة لدى الفتيات قد ترتبط بالصحة الإنجابية والخصوبة مستقبلاً، ما يبرز أهمية النمو الصحي والصحة الأيضية منذ سن مبكرة.
د. منى سعيد

بقلم د. منى سعيد

طبيبة أسرة وأخصائية التغذية العلاجية وإدارة الوزن | فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو

في ٨ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م

عندما نتحدث عن الخصوبة، غالباً ما ينصب الاهتمام على ما يحدث خلال سنوات البلوغ والرشد: العمر، التغذية، التوتر، ونمط الحياة. لكن دراسة دنماركية ضخمة تفتح زاوية مختلفة تماماً: هل يمكن أن تترك السمنة في الطفولة أثراً يمتد إلى الصحة الإنجابية بعد عقود؟

الدراسة، التي نُشرت في دورية JAMA Network Open وتابعت أكثر من 60 ألف امرأة، بحثت في العلاقة بين مؤشر كتلة الجسم خلال الطفولة وفرص الإنجاب لاحقاً.

والنتيجة لا تعني أن السمنة في الطفولة تؤدي حتماً إلى العقم، لكنها تشير إلى وجود ارتباط مهم بين زيادة الوزن المبكرة وتراجع فرص الإنجاب في مراحل لاحقة من الحياة.

ماذا وجدت الدراسة ؟

أشارت النتائج إلى أن الفتيات اللاتي عانين من السمنة في الطفولة كانت لديهن فرص أقل للإنجاب مقارنةً بمن كان وزنهن ضمن النطاق الطبيعي.

وكان هذا الارتباط أكثر وضوحاً مع التقدم في العمر ، إذ ظهر انخفاض في فرص الإنجاب خلال أواخر العشرينيات، وأصبح أكثر وضوحاً في الفئات العمرية الأكبر.

لكن هناك نقطة مهمة :

الارتباط لا يعني بالضرورة أن السمنة في الطفولة هي السبب المباشر في انخفاض الخصوبة.

فالخصوبة تتأثر بعوامل كثيرة، منها العمر، والحالة الصحية، واضطرابات التبويض، ومتلازمة تكيس المبايض (PCOS)، ونمط الحياة والعوامل الإنجابية الأخرى.

كيف يمكن أن تؤثر السمنة المبكرة في الجهاز التناسلي؟

هناك عدة آليات بيولوجية محتملة، لكن بعضها ما زال قيد الدراسة.

1. التأثير في توقيت البلوغ

النسيج الدهني ليس مجرد مخزن للطاقة؛ بل هو نسيج نشط هرمونياً، وينتج مواد من بينها اللبتين (Leptin)، الذي يرتبط بتنظيم الشهية والطاقة وتوقيت البلوغ.

وزيادة الدهون في الطفولة قد ترتبط بحدوث البلوغ في سن مبكرة لدى بعض الفتيات.

لكن القول إن البلوغ المبكر وحده يؤدي إلى «استنزاف مخزون البويضات» بصورة مباشرة ومؤكدة سيكون تبسيطاً زائداً؛ فالعلاقة بين توقيت البلوغ وعمر المبيض والخصوبة المستقبلية أكثر تعقيداً.

2. مقاومة الإنسولين واضطراب التبويض

السمنة، خصوصاً عندما تكون مصحوبة بزيادة الدهون الحشوية، قد ترتبط بمقاومة الإنسولين.

ومع استمرار اضطراب الإنسولين والهرمونات، قد تتأثر وظيفة المبيض لدى بعض الفتيات، ويزداد خطر الإصابة باضطرابات التبويض ومتلازمة تكيس المبايض (PCOS).

وتكيس المبايض من أهم الأسباب الشائعة لاضطراب الدورة وعدم انتظام التبويض لدى النساء في سن الإنجاب.

3. الإلتهاب منخفض الدرجة

النسيج الدهني الزائد يمكن أن يرتبط بارتفاع بعض الإشارات الإلتهابية في الجسم.

ويُعتقد أن الإلتهاب المزمن منخفض الدرجة، إلى جانب الاضطرابات الأيضية والهرمونية المصاحبة للسمنة، قد يؤثر في البيئة الفسيولوجية اللازمة لعمل المبيض بصورة طبيعية.

لكن لا يمكن اختزال تأثير السمنة على الخصوبة في آلية واحدة أو القول إن الخلايا الدهنية «تتذكر» السمنة وتدمر المبيض بعد سنوات ..

هل يعني ذلك أن كل فتاة تعاني من السمنة في طفولتها ستواجه مشكلة في الإنجاب؟

بالتأكيد لا .. وهذه من أهم النقاط التي يجب ألا تضيع وسط الأرقام.

الدراسة تتحدث عن زيادة في الإحتمال على مستوى المجموعات، وليس عن مصير حتمي لكل فتاة.

كما أن تحسين الوزن والنشاط البدني والصحة الأيضية خلال مراحل الحياة المختلفة قد يغير كثيراً من عوامل الخطر.

لذلك لا ينبغي أن تتحول هذه النتائج إلى مصدر قلق للطفلة أو أسرتها، وإنما إلى سبب للإهتمام بصحتها من وقت مبكر.

ماذا نستفيد من هذه النتائج ؟

الهدف ليس وضع الأطفال على حميات قاسية ولا جعل الميزان محور حياتهم.

الأهم هو بناء نمط حياة صحي منذ الصغر :

تشجيع النشاط البدني المنتظم.

تقليل المشروبات السكرية والأطعمة فائقة التصنيع.

توفير غذاء متوازن ومتنوع.

متابعة نمو الطفل باستخدام منحنيات النمو المناسبة للعمر والجنس، وليس الحكم على الوزن من المظهر وحده.

التعامل المبكر مع السمنة أو اضطرابات الإنسولين تحت إشراف متخصص.

تجنب الحميات ( انظمة الدايت) القاسية أو محاولات إنقاص الوزن غير المناسبة للأطفال.

الخلاصة

الخصوبة ليست ملفاً يبدأ فتحه عند الزواج، لكنها أيضاً ليست نتيجة تحسمها فترة الطفولة.

ما تكشفه هذه الدراسة هو أن الصحة الأيضية خلال سنوات النمو قد تكون مرتبطة بالصحة الإنجابية بعد عقود، وأن السمنة المبكرة تستحق الإهتمام ليس فقط بسبب تأثيرها على القلب والتمثيل الغذائي، وإنما أيضاً بسبب ارتباطها المحتمل بصحة الجهاز التناسلي مستقبلاً.

والرسالة المهمة الآن : " ابنوا صحة أطفالكم مبكراً لأن ما يحدث خلال سنوات النمو قد يترك أثراً أبعد بكثير مما نتخيل."

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة