التغذيه العلاجيهتمت المراجعة العلمية

رحلة داخل الغدة الدرقية مع مرض هاشيموتو … من اضطراب المناعة إلى دور التغذية

رحلة داخل الغدة الدرقية مع مرض هاشيموتو … من اضطراب المناعة إلى دور التغذية
د. أميرة الطويل

بقلم د. أميرة الطويل

فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلانية | أخصائية التغذية الإكلينيكية

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو

في ٤ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م

تحليل صغير… قد يغيّر تفسير حالة كاملة

تخيل أن يأتيك شخص يحمل نتيجة تحاليله ويقول :

«الدكتور قال لي إن الـTSH عالي … يعني الغدة عندي نشطة ؟»

السؤال يبدو بسيطاً، لكنه يكشف واحدة من أكثر النقاط التي يحدث فيها الإلتباس عند الحديث عن الغدة الدرقية.

فارتفاع هرمون TSH ( الهرمون المحفز لعمل الغدة الدرقية ) لا يعني عادةً أن الغدة الدرقية أصبحت أكثر نشاطاً، بل يعني في كثير من الحالات أن المخ يحاول تحفيز الغدة لإنتاج المزيد من هرموناتها. وهنا تبدأ قصة Hashimoto’s thyroiditis (إلتهاب الغدة الدرقية لهاشيموتو).

عندما يهاجم جهاز المناعة الغدة

هاشيموتو ليس مجرد «كسل في الغدة»، بل هو مرض مناعي ذاتي؛ أي أن جهاز المناعة يهاجم أنسجة الغدة الدرقية بالخطأ.

ومع استمرار الالتهاب وتأثر أنسجة الغدة، قد تقل قدرتها على إنتاج هرموناتها بصورة كافية. وقد يعاني الشخص من أعراض مثل:

- التعب - الإحساس بالبرد - الإمساك - جفاف الجلد - تساقط الشعر - اضطراب الدورة الشهرية - زيادة الوزن أو صعوبة فقدانه

لكن وجود هذه الأعراض وحده لا يكفي لتشخيص هاشيموتو، كما أن TSH لا ينبغي تفسيره منفرداً.

هل كل ارتفاع في TSH يعني قصوراً واضحاً؟

ليس بالضرورة ففي حالة قصور الغدة الدرقية تحت الإكلينيكي - Subclinical Hypothyroidism قد تكون الأعراض بسيطة أو غير موجودة، كما أن قرار العلاج لا يعتمد على رقم TSH وحده. بل يؤخذ في الاعتبار مستوى الارتفاع، والأعراض، والعمر، والحمل أو التخطيط له، ووجود الأجسام المضادة، والتاريخ المرضي والحالة الصحية بشكل عام.

لذلك يجب أن نسأل:

كم يبلغ مستوي TSH ؟ وما مستوى FT4 ؟ وهل توجد أجسام مضادة ؟ وما حالة المريض الصحية ؟

زيادة الوزن ليست دائماً من الغدة

قد يساهم قصور الغدة الدرقية في زيادة الوزن، لكن ليس كل كيلوغرام زائد سببه هاشيموتو. فقد يرتبط جزء من الزيادة باحتباس السوائل وبعض التغيرات الأيضية، كما أن ضبط هرمونات الغدة لا يعني تلقائياً اختفاء مشكلة الوزن بالكامل.

لذلك يحتاج التعامل مع الوزن إلى خطة متكاملة تشمل:

- العلاج الطبي المناسب. - نظاماً غذائياً متوازناً. - نشاطاً بدنياً مناسباً. - متابعة الوزن والكتلة العضلية. - تقييم النوم والتوتر والعادات اليومية.

التغذية وهاشيموتو… ماذا يقول العلم؟

مع انتشار المعلومات الصحية على وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الشخص المصاب بهاشيموتو يسمع قائمة طويلة من الممنوعات والمكملات:

«امنع الجلوتين.» «تناول جرعات عالية من اليود.» «السيلينيوم يعالج هاشيموتو.» «ابتعد عن البروكلي والكرنب.»

لكن الحقيقة أكثر توازناً من ذلك.

اليود: ضروري، لكن الزيادة ليست علاجاً

اليود عنصر أساسي لصناعة هرمونات الغدة الدرقية، لكن هذا لا يعني أن كل شخص مصاب بهاشيموتو يحتاج إلى مكملات اليود. فالإفراط في تناول اليود قد يؤدي إلى اضطراب وظيفة الغدة لدى بعض الأشخاص، لذلك لا ينبغي استخدام مكملات اليود دون وجود نقص مثبت أو توصية طبية واضحة. النقص يحتاج إلى تصحيح، لكن الزيادة ليست علاجاً.

السيلينيوم : نتائج مبشرة

للسيلينيوم دور مهم في أنظمة مضادات الأكسدة وفي استقلاب هرمونات الغدة الدرقية.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن مكملاته قد تساعد في خفض بعض الأجسام المضادة، خاصة TPOAb، لدى بعض المصابين بهاشيموتو.

لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة: تحسن المؤشر المخبري لا يعني علاج المرض.

فانخفاض مستوى الأجسام المضادة لا يعني بالضرورة أن الغدة استعادت قدرتها على إنتاج الهرمونات، ولا يعني إمكانية إيقاف العلاج الهرموني. لذلك لا يحتاج كل شخص مصاب بهاشيموتو إلى السيلينيوم، كما أن وجود نقص من عدمه، والجرعة، ومدة الاستخدام عوامل مهمة في تحديد مدى فائدته.

هل يجب منع الجلوتين؟

تنتشر نصيحة: «ابتعد عن الجلوتين إذا كنت مصاباً بهاشيموتو.»

توجد علاقة بين هاشيموتو ومرض السيلياك أو الداء البطني، ولذلك قد يحتاج بعض الأشخاص إلى تقييم السيلياك، خاصة عند وجود أعراض هضمية أو مؤشرات أخرى تستدعي ذلك.

أما في حال عدم وجود السيلياك، فلا توجد أدلة كافية على أن منع الجلوتين سيحسن وظيفة الغدة لدى الجميع.

لذلك يكون النظام الغذائي الخالي من الجلوتين ضرورياً عند وجود مرض سيلياك مثبت، وليس لمجرد تشخيص هاشيموتو فقط.

هل البروكلي والكرنب ممنوعان؟

الخضروات الصليبية مثل البروكلي والقرنبيط والكرنب والجرجير تحتوي على مركبات تُعرف باسم Goitrogens، وقد ارتبطت هذه المركبات بتأثيرات على وظيفة الغدة الدرقية، خاصة في ظروف معينة. لكن تناول كميات معتدلة من هذه الخضروات لا يستوجب منعها لدى معظم المصابين بمرض هاشيموتو.

المشكلة ليست في طبق البروكلي، بل في تحويل التغذية إلى قائمة طويلة من الممنوعات. فالغذاء المتوازن أهم من الخوف من مكون غذائي واحد.

الدواء والطعام… نقطة مهمة

قد يكون الشخص ملتزماً بالعلاج، ومع ذلك لا تكون نتائج التحاليل مستقرة كما ينبغي.

أحد الأسباب المحتملة هو طريقة تناول Levothyroxine (ليفوثيروكسين)، وهو العلاج الهرموني المستخدم لتعويض هرمون الغدة الدرقية عند الحاجة.

فامتصاص الدواء قد يتأثر بالطعام وبعض المكملات، خاصة:

- الحديد - الكالسيوم - القهوة - بعض منتجات الصويا - توقيت تناول الطعام

لذلك لا يكفي أن نقول للمريض:

«خذ الدواء.»

بل يجب أن يعرف أيضاً:

«متى تأخذه؟ وكيف تفصل بينه وبين الطعام والمكملات؟»

وهنا يظهر دور أخصائي التغذية صاحب الخلفية الطبية في فهم العلاقة بين الغذاء والدواء والحالة الغذائية للمريض.

- تبحث بعض الدراسات في الجمع بين Myo-inositol وSelenium لدى بعض المصابين بهاشيموتو، خاصة ممن لديهم قصور تحت إكلينيكي.

وقد ظهرت نتائج واعدة فيما يتعلق بمستويات TSH وبعض الأجسام المضادة، لكن الأدلة ما زالت محدودة مقارنة بالعلاجات القياسية، ولا تكفي حتى الآن لاعتبار هذا الجمع علاجاً أساسياً لجميع المرضى.

لذلك لا ينبغي استخدام هذه المكملات كبديل للعلاج الهرموني أو تعميمها على جميع المصابين دون تقييم طبي مناسب.

ما دور أخصائي التغذية ؟

دور أخصائي التغذية ليس البحث عن «أنواع طعام يعالج هاشيموتو»، بل تقييم احتياجات الشخص بشكل كامل:

- هل يحصل على احتياجاته من الطاقة والبروتين؟ - هل يعاني من نقص غذائي حقيقي؟ - هل توجد زيادة في الوزن أو فقدان في الكتلة العضلية؟ - هل يعاني من الإمساك أو اضطرابات هضمية؟ - هل يتناول مكملات غير ضرورية؟ - هل توجد تداخلات بين الدواء والمكملات أو طريقة تناول غير مناسبة للدواء؟ - هل يحتاج إلى تقييم الحديد أو فيتامين D أو B12 حسب حالته؟ - هل النظام الغذائي مبني على دليل علمي أم على معلومات منتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

في النهاية، لا توجد حمية واحدة تناسب جميع المصابين بهاشيموتو. الخطة الأفضل هي التي تراعي التحاليل، والأعراض، والوزن، والحالة الغذائية، والأدوية، ونمط حياة الشخص.

الخلاصة… لا تقرأ التحليل وحده

هاشيموتو مرض مناعي ذاتي قد يؤدي إلى قصور الغدة الدرقية، لكن تفسير الحالة لا يعتمد على TSH وحده.

قد يكون:

TSH مرتفعاً + FT4 منخفضاً وهذا معناه قصور واضح في الغدة أو:

TSH مرتفعاً + FT4 طبيعياً وهذا معناه قصور تحت إكلينيكي ( أي غير واضح الأعراض )

أما التغذية، فليست علاجاً سحرياً، وليست قائمة لا تنتهي من الممنوعات.

اليود مهم، لكن زيادته ليست علاجاً.

السيلينيوم قد يكون واعداً، لكنه ليس مناسباً للجميع.

الجلوتين ليس ممنوعاً تلقائياً.

والبروكلي ليس عدواً للغدة.

أما الهدف الحقيقي من التغذية العلاجية فهو دعم صحة الشخص، وتصحيح النقص إن وُجد، وتقليل التداخلات مع الدواء، والمساعدة في إدارة الوزن ونمط الحياة.

لأن المهم ليس مجرد تعديل رقم TSH … بل أن نعالج الإنسان الذي يقف خلف الرقم.

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة