

بقلم د/ ناصر الشيشيني
مدير التحرير | صيدلي | أخصائي التغذية الإكلينيكية وإدارة الوزن | باحث في العلوم الصيدلانية وعلوم التجميل.
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
نعتاد التفكير في الطعام باعتباره مصدراً للسعرات الحرارية والبروتين والفيتامينات والمعادن.
لكن الصورة أوسع من ذلك.
فما نأكله يمكن أن يؤثر في الإشارات التي تصل من وإلى خلايانا، وفي نشاط بعض الجينات وطريقة تعبيرها عن نفسها.
وهنا يظهر مجال علمي يعرف بإسم علم التغذية الجينية (Nutrigenomics)، إلى جانب علم التغيرات فوق الجينية (Epigenetics)، وهو يدرس كيف يمكن للغذاء والبيئة أن يؤثرا في طريقة عمل الجينات دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.
هل الطعام يغيّر جيناتنا ؟
هنا يجب التفرقة بين أمرين:
تغيير الجين نفسه، أي تغيير تسلسل الحمض النووي.
وتغيير طريقة عمل الجين، أي زيادة أو خفض نشاطه.
نوعية الغذاء يمكن أن تؤثر في المسار الثاني من خلال آليات كإضافة بعض المركبات البسيطة إلي جزيء الحمض النووي، وتعديلات بروتينات الهستونات، والحمض النووي الريبي غير المشفر.
وهذه التغيرات قد تؤثر في الطريقة التي تقرأ بها الخلية بعض الجينات.
وهنا تدخل بكتيريا الأمعاء
القصة لا تحدث داخل الخلية فقط.
فالطعام الذي يصل إلى الأمعاء يؤثر في الميكروبيوم المعوي (Gut Microbiome)، أي مجتمع البكتيريا والكائنات الدقيقة التي تعيش داخل الجهاز الهضمي.
وهذه الكائنات تستطيع تحويل بعض مكونات الطعام إلى مركبات نشطة، مثل الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (SCFAs)، التي يمكن أن تتداخل مع آليات تنظيم التعبير الجيني.
ومن هنا يظهر مسار مهم :
( فالغذاء ) يتحول بواسطة ( الميكروبيوم المعوي ) إلي ( نواتج الأيض ) التي تؤثر علي ( الإشارات الخلوية ) التي بدورها تُحدث بعض ( التغيرات فوق الجينية ) تؤدي إلى تداخلات وتغيرات في ( تنظيم نشاط الجينات وأسلوب التعبير الجيني. )
ليست كل الأطعمة متساوية
بعض مكونات الغذاء قد توفر إشارات مرتبطة بعمليات خلوية مفيدة.
فالألياف، والخضروات، والفاكهة، والمكسرات، والحبوب الكاملة، ومركبات نباتية مثل البوليفينولات، يمكن أن تؤثر في الميكروبيوم وفي مسارات مرتبطة بالتغيرات فوق الجينية.
وفي المقابل، ترتبط الأنماط الغذائية الغنية بالسكريات المضافة والدهون غير الصحية والأغذية فائقة التصنيع بزيادة الإلتهاب واضطرابات الأيض، وهي عوامل يمكن أن تتداخل أيضاً مع تنظيم التعبير الجيني.
وماذا عن المحليات الصناعية؟
المحليات غير السكرية مثال جيد على مدى تعقيد العلاقة بين الغذاء والجينات.
بعض الدراسات وجدت أن أنواعًا معينة منها قد تغير تركيب الميكروبيوم أو بعض المؤشرات الأيضية لدى بعض الأشخاص، لكن النتائج البشرية ليست متطابقة، إذ يبدو أن الإستجابة تختلف حسب نوع المُحلي المستخدم وجرعته والميكروبيوم الموجود لدى الشخص أصلاً .
لذلك لا يصح القول إن «المُحليات تغير الجينات وتسبب السكري» كحقيقة مثبتة.
الأدق أن نقول إن بعض المحليات قد تؤثر في البيئة الميكروبية والأيضية، وما زال العلماء يدرسون ما إذا كانت هذه التغيرات تمتد إلى تنظيم التعبير الجيني وما مدى أهميتها سريرياً.
وماذا تقول الدراسات عن الأغذية فائقة التصنيع ؟
الإهتمام هنا يتزايد.
دراسة استكشافية حديثة وجدت ارتباطاً بين إرتفاع إستهلاك الأغذية فائقة التصنيع وإختلافات في أنماط نشاط الچينات لدى النساء، لكنها كانت دراسة صغيرة ولا تثبت أن الأغذية فائقة التصنيع تسببت في هذه التغيرات.
وفي دراسة أخرى شملت 3,152 طفلاً ، ظهرت بعض الإرتباطات بين إستهلاك الأغذية فائقة التصنيع وتنظيم نشاط الچينات ، لكنها لم تصل إلى مستوى الدلالة الإحصائية المطلوبة، ولذلك يحتاج الأمر إلى دراسات أكبر وأكثر دقة.
وهذه نقطة مهمة جداً :
وجود إرتباط جيني أو فوق جيني لا يعني تلقائياً وجود علاقة سببية.
إذاً .. هل نستطيع «إعادة برمجة» جيناتنا بالطعام ؟
ليس بهذه البساطة.
الغذاء لا يعيد كتابة الحمض النووي الذي ورثناه.
لكنه قد يؤثر في البيئة الكيميائية والميكروبية داخل الجسم، وفي الإشارات التي تتحكم في نشاط بعض الجينات.
كما أن هذه التأثيرات تختلف من شخص إلى آخر، وتتأثر بالعمر، والجينات، والنشاط البدني، والنوم، والميكروبيوم والحالة الصحية.
لذلك لا توجد «وجبة سحرية» تشغّل جينات الصحة، ولا طعام واحد يغلق جينات المرض.
الخلاصة
الغذاء ليس مجرد وقود.
إنه جزء من البيئة التي تعمل داخلها خلايانا.
وما نأكله يمكن أن يؤثر في الميكروبيوم، والإلتهاب، ونواتج الأيض، وبعض آليات التعبير الجيني.
وهذا لا يعني أن الطعام يغير الشفرة الوراثية ( DNA ) نفسها التي وُلدنا بها، ولا أن كل تغير فوق جيني يؤدي إلى مرض.
لكن الرسالة أصبحت أوضح :
إختياراتنا الغذائية لا تؤثر فقط في وزننا وتحاليلنا اليوم.. بل قد تؤثر أيضاً في الإشارات التي تحدد كيف تعمل خلايانا.
ولهذا فإن جودة الغذاء ليست مجرد مسألة سعرات فقط، لكنها جزء من البيئة البيولوجية التي تعيش فيها جيناتنا كل يوم.

بقلم د/ ناصر الشيشيني
مدير التحرير | صيدلي | أخصائي التغذية الإكلينيكية وإدارة الوزن | باحث في العلوم الصيدلانية وعلوم التجميل.
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.
تغذية علاجية
"صحه عامه
التغذية
التغذيه العلاجيه