

بقلم د/ ناصر الشيشيني
مدير التحرير | صيدلي | أخصائي التغذية الإكلينيكية وإدارة الوزن | باحث في العلوم الصيدلانية وعلوم التجميل.
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٥:٣٠ م
" هذه واحدة من الشكاوى المتكررة بعد منتصف العمر. والحقيقة أن الأمر ليس مجرد (قلة حركة) أو (إفراط مفاجئ في الأكل). لكن في الوقت نفسه العمر لا يكسر قوانين الطاقة.
ما يحدث أن الجسم يتغير مع مرور السنوات : العضلات تقل تدريجياً، النشاط اليومي قد ينخفض دون أن نلاحظ، وتحدث تغيرات هرمونية في الرجال والنساء، كما يتغير توزيع الدهون وجودة النوم والاستجابة للإنسولين.
لذلك قد تصبح كمية الطعام التي كانت مناسبة لجسمك في الأربعين أكثر من احتياجاتك الحالية بقليل، حتى لو كنت تشعر أنك لم تغير عاداتك.. وهنا يبدأ "لغز الخمسين".
من أهم التغيرات التي تحدث مع التقدم في العمر فقدان جزء من الكتلة العضلية، وهي عملية مرتبطة بما يعرف طبياً بـ الساركوبينيا، أو فقدان العضلات المرتبط بالعمر.
وتشير الدراسات إلى أن فقدان العضلات يبدأ تدريجياً منذ منتصف العمر، وقد يزداد وضوحاً مع التقدم في السن، مع اختلاف كبير من شخص لآخر بحسب النشاط البدني والتغذية والحالة الصحية.
ولأن العضلات تستهلك طاقة حتى أثناء الراحة، فإن انخفاض كتلتها يمكن أن يخفض جزءاً من احتياجات الجسم اليومية من الطاقة.
لكن هناك نقطة مهمة :
(معدل الأيض لا يعتمد على العضلات وحدها).
العمر، وحجم الجسم، والجنس، والكتلة الخالية من الدهون، والنشاط البدني، وعوامل أخرى كلها تدخل في تحديد كمية الطاقة التي يحتاجها الجسم.
لذلك قد لا تكون المشكلة أنك (بدأت تأكل أكثر)، بل أن احتياجات جسمك نفسها تغيرت تدريجياً بينما ظلت كمية الطعام كما هي.
مع التقدم في العمر، لا تتغير كمية الدهون فقط، وإنما يمكن أن يتغير مكان تخزينها أيضاً.
ويزداد الميل إلى تراكم الدهون في منطقة البطن، ومنها الدهون الحشوية التي تتجمع حول الأعضاء الداخلية، وهي أكثر ارتباطاً بمقاومة الإنسولين واضطرابات التمثيل الغذائي من الدهون الموجودة تحت الجلد.
1- عند النساء : انقطاع الطمث يغير المشهد ..
مع انخفاض الإستروجين خلال مرحلة انقطاع الطمث، تحدث تغيرات في توزيع الدهون وتركيب الجسم، ويزداد الميل إلى تراكم الدهون في المنطقة المركزية من الجسم، بالتزامن مع تغيرات أخرى في الكتلة العضلية والتمثيل الغذائي. لكن هذا لا يعني أن الإستروجين كان يمنع السمنة قبل انقطاع الطمث، ولا أن انخفاضه وحده يفسر كل زيادة في الوزن .. إنها مجموعة تغيرات تحدث في الوقت نفسه.
2- عند الرجال : التستوستيرون أيضاً له دور ..
تنخفض مستويات التستوستيرون لدى بعض الرجال تدريجياً مع العمر، ويمكن أن يرتبط انخفاضه بفقدان الكتلة العضلية وزيادة الدهون، خصوصاً عندما يكون هناك نقص حقيقي في الهرمون. لكن ليس كل رجل بعد الخمسين يعاني من نقص التستوستيرون ولا تعالج زيادة الوزن بمجرد إعطاء الهرمون.
مع التقدم في العمر وزيادة الدهون الحشوية، وقلة النشاط، وفقدان جزء من الكتلة العضلية قد تقل حساسية الجسم للإنسولين لدى بعض الأشخاص.
وهذا يعني أن الجسم يحتاج إلى كمية أكبر من الإنسولين للحفاظ على مستوى السكر في الدم ضمن النطاق الطبيعي.
والعضلات تحديداً تلعب دوراً مهماً في التعامل مع الجلوكوز لذلك فإن الحفاظ على الكتلة العضلية ونشاطها يساعد في تحسين حساسية الإنسولين.
لكن من الخطأ اختزال الأمر في أن "ارتفاع الإنسولين يجبر الجسم على تخزين الدهون".
زيادة الوزن في الأساس نتيجة اختلال مستمر بين الطاقة التي يحصل عليها الجسم والطاقة التي يستهلكها .. بينما تؤثر الهرمونات وحساسية الإنسولين والشهية والنشاط وتوزيع الدهون في كيفية حدوث ذلك.
وهذا التوضيح مهم جداً لأنه يمنعنا من تحويل الإنسولين إلى (الشرير الوحيد) في قصة زيادة الوزن.
بعد الخمسين، قد تتغير جودة النوم ومدته، وقد يصبح النوم المتقطع أو الأرق أكثر شيوعاً لدى بعض الأشخاص.
وقلة النوم لا تعني فقط الشعور بالتعب في اليوم التالي فقد تؤثر أيضاً في الشهية واختيار الطعام وتنظيم الطاقة والنشاط البدني.
كما أن التوتر المزمن يرتبط بتغيرات في هرمونات التوتر ومنها الكورتيزول. لكن مرة أخرى لا يمكن اختزال دهون البطن في الكورتيزول وحده.
فالوزن ومحيط الخصر في منتصف العمر هما حصيلة تفاعل بين الغذاء، والنشاط، والعضلات، والنوم، والهرمونات، والعمر، والعوامل الوراثية والحالة الصحية.
الحل ليس "تجويع الجسم" وإنما حماية العضلات وتقليل الدهون الزائدة وإعادة ضبط نمط الحياة بما يناسب احتياجات الجسم الحالية.
الأوزان، والأجهزة، وأشرطة المقاومة، وحتى تمارين وزن الجسم يمكن أن تساعد على الحفاظ على العضلات وزيادة القوة.
مع التقدم في العمر، تصبح العضلات أقل استجابة لبعض المحفزات الغذائية والبدنية ولذلك يصبح الحصول على كمية كافية من البروتين مهماً للحفاظ على الكتلة العضلية. مع إمكانية احتياج بعض الأشخاص إلى كميات أعلى وفق الحالة الصحية والنشاط، بينما يحتاج مرضى الكلى إلى تقييم فردي.
ليس المطلوب حذف الكربوهيدرات بعد الخمسين. الأهم هو تقليل الاعتماد على السكريات المضافة والأطعمة فائقة التصنيع والكربوهيدرات المكررة بكميات كبيرة، مع الاعتماد أكثر على الحبوب الكاملة والخضراوات والبقوليات والفواكه وفق احتياجاتك وحالتك الصحية.
بعد الخمسين من المفيد متابعة : ( الوزن + محيط الخصر + القوة العضلية + مستوى النشاط + المؤشرات الصحية ) وفي بعض الحالات قد تكون متابعة سكر الدم التراكمي، وضغط الدم، والدهون، ووظائف الغدة الدرقية وغيرها مناسبة وفق التاريخ المرضي والأعراض وليس لمجرد بلوغ سن الخمسين.
زيادة الوزن بعد الخمسين ليست قدراً محتوماً وليست دليلاً على أنك أصبحت تأكل بشراهة فجأة.
( لكن طبيعة الجسم تتغير )
قد تقل العضلات وتتغير احتياجات الطاقة، ويزداد تراكم الدهون الحشوية، وتتغير الهرمونات لدى النساء والرجال، وقد تتأثر جودة النوم والنشاط اليومي وحساسية الإنسولين.
ولهذا فإن الاستمرار في تناول الطعام بالطريقة نفسها التي كانت مناسبة لجسمك قبل 20 عاماً قد لا تعطي النتيجة نفسها اليوم.
والحل ليس أن تحارب جسمك بحمية قاسية بل أن تعيد بناء المعادلة : ( عضلات أقوى + بروتين كافي وطعام عالي الجودة + حركة منتظمة + نوم أفضل + متابعة صحية عند الحاجة )
بعد الخمسين لا تحتاج إلى أن تأكل أقل فقط… بل تحتاج إلى أن تجعل كل ما يأكله جسمك ويقوم به يعمل في صالحه.

بقلم د/ ناصر الشيشيني
مدير التحرير | صيدلي | أخصائي التغذية الإكلينيكية وإدارة الوزن | باحث في العلوم الصيدلانية وعلوم التجميل.
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٥:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.
تغذية علاجية
"صحه عامه
التغذية
التغذيه العلاجيه