

بقلم د. سعيد عطية
فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلي متخصص في علم الأدوية والمكملات
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
تخيل أن تذهب إلى الطبيب بسبب ارتفاع الكوليسترول، فيخبرك أن هناك علاجاً لا تحتاج إلى تناوله كل يوم ولا كل شهر وربما لا تحتاج إلى تكراره لسنوات.
بل جرعة واحدة فقط.
ثم تبدأ مستويات الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية في الإنخفاض، ويستمر هذا التأثير لمدة عام على الأقل.
هذه ليست قصة خيالية. ففي أحدث تطور لافت في مجال تحرير وتعديل الجينات، أظهرت نتائج تجربة بشرية مبكرة أن جرعة واحدة من علاج تجريبي يعتمد علي تقنية CRISPR-Cas9 (كريسبر) .. وهي تعد بمثابة "مقص جزيئي ذكي" عالي الدقة يُستخدم لتعديل المادة الوراثية (DNA) داخل الخلايا الحية بدقة متناهية تسمح هذه التقنية للعلماء بإضافة أو إزالة أو تغيير أجزاء من الشريط الوراثي بدقة غير مسبوقة وهي مستوحاة في الأصل من نظام دفاعي طبيعي تستخدمه البكتيريا لمحاربة الفيروسات. واستطاعت هذه الجرعة خفض مستويات الكوليسترول الضار LDL cholesterol والدهون الثلاثية بشكل كبير، مع استمرار التأثير بعد عام من العلاج. لكن قبل أن نتخيل أن «حقنة واحدة ستغنينا عن أدوية الكوليسترول»، هناك قصة أكثر تعقيداً بكثير وراء هذه النتائج.
لماذا كل هذا الاهتمام بالكوليسترول ؟
لأن إرتفاع مستويات LDL لفترات طويلة يساهم في تراكم الكوليسترول داخل جدران الشرايين وهو أحد العوامل الرئيسية المرتبطة بتصلب الشرايين وأمراض القلب والأوعية الدموية. ولهذا أصبحت خفض مستويات LDL محوراً أساسياً في الوقاية من أمراض القلب لكن الطب الحديث لا يبحث فقط عن خفض LDL بأي طريقة. بل يبحث عن طريقة : فعالة وآمنة وطويلة المدى وقابلة للتطبيق على المرضى المناسبين. وهنا قد يكون العلاج الجيني مثيراً للاهتمام بشكل خاص بالنسبة لبعض المرضى الذين يصعب الوصول لديهم إلى مستويات الدهون المطلوبة رغم استخدام العلاجات المتاحة حالياً.
---
أولاً.. هذه ليست حقنة كوليسترول تقليدية
العلاج الجديد يحمل اسم CTX310 وهو علاج تجريبي يستخدم تقنية كريسبر - CRISPR-Cas9 لتحرير أحد الجينات داخل خلايا الكبد. والهدف هو جين يسمى : ANGPTL3
هذا الجين ينتج بروتيناً يشارك في تنظيم عملية التعامل مع الدهون داخل الجسم. وعندما ينخفض نشاط ANGPTL3، يمكن أن تنخفض مستويات عدة أنواع من الدهون الموجودة في الدم من بينها الدهون الثلاثية و LDL الضار.
الفكرة هنا مختلفة تماماً عن تناول قرص يخفض الكوليسترول ثم يختفي تأثيره بعد انتهاء مفعوله.
العلاج الجيني يحاول تغيير التعليمات الموجودة داخل الخلية نفسها. وهنا تكمن قوة الفكرة.. وكذلك سبب الحاجة إلى قدر كبير من الحذر.
---
جين ANGPTL3 ..
لفهم أهمية العلاج نحتاج إلى خطوة للخلف. الجسم لا يتعامل مع الدهون الموجودة في الدم بطريقة عشوائية. هناك شبكة معقدة من البروتينات والإنزيمات والجينات تتحكم في تصنيع الدهون ونقلها واستخدامها والتخلص منها ومن بين هذه الشبكة يأتي جين ANGPTL3.
وقد لاحظ العلماء منذ سنوات أن الأشخاص الذين يحملون طبيعياً طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة هذا الجين يميلون إلى امتلاك مستويات أقل من بعض الدهون في الدم، كما ارتبطت هذه الطفرات بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.
ومن هنا جاءت الفكرة:
إذا كان تعطيل جين ANGPTL3 يحدث بصورة طبيعية لدى بعض الأشخاص ويصاحبه ملف دهني أفضل فمن الممكن للعلماء تقليد هذه الحالة باستخدام تحرير الجينات.
---
ماذا يفعل العلاج CTX310 داخل الجسم ؟ يتم إعطاؤه عن طريق الوريد ويستخدم العلاج جسيمات دهنية دقيقة للمساعدة في توصيل مكوناته إلى الكبد. وهناك يصل نظام CRISPR-Cas9 إلى الخلايا المستهدفة ويحاول إحداث تعديل في جين ANGPTL3 يؤدي إلى فقدان وظيفته.
والنتيجة المتوقعة:
انخفاض بروتين (Angiopoietin-like protein 3) ↓ تغير في التمثيل الغذائي للدهون ↓ انخفاض الدهون الثلاثية وبعض البروتينات الدهنية المسببة لتصلب الشرايين ↓ انخفاض الكوليسترول الضار LDL-C.
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
العلاج لا يقوم ببساطة بإزالة الكوليسترول الموجود في الدم. إنه يحاول تغيير إحدى الآليات البيولوجية التي تتحكم في مستويات الدهون من الأساس. وهذا هو السبب في أن تأثير جرعة واحدة يمكن أن يستمر لفترة طويلة.
---
التجربة على البشر ..
التجربة كانت Phase 1a، أي أنها مرحلة مبكرة جداً هدفها الأساسي تقييم السلامة والتحمل إلى جانب الحصول على إشارات أولية حول فعالية العلاج. وشملت الدراسة 15 شخصاً يعانون من اضطرابات مختلفة في الدهون بما في ذلك حالات من فرط كوليسترول الدم وفرط الدهون الثلاثية واضطرابات الدهون المختلطة.
وكان بعض المشاركين يتلقون بالفعل علاجات تقليدية مثل الستاتينات أو الإيزيتيميب. وعند أعلى جرعة تمت دراستها وهي 0.8 ملجم/ كجم ظهرت النتائج الأكثر إثارة .. بعد عام من الجرعة الواحدة :
- انخفض بروتين ANGPTL3 ( Angiopoietin-like protein 3 ) بمتوسط يقارب 79%. - انخفض LDL-C بمتوسط يقارب 53%. - انخفضت الدهون الثلاثية بمتوسط يقارب 48%.
وسجل بعض المشاركين انخفاضات أكبر من ذلك، لكن هذه الأرقام تمثل متوسطات مجموعة صغيرة جداً وليست نتيجة مضمونة لكل مريض.
وهنا يجب أن نتوقف أمام المدة : عام واحد وليس عشر سنوات وليس مدى الحياة.
---
هل يعني ذلك أننا أصبحنا أمام «علاج نهائي للكوليسترول» ؟
ليس بعد وهذه ربما أهم جملة في هذه التجربة الجديدة.. نحن نتحدث عن تجربة بشرية مبكرة شملت 15 شخصاً فقط. والدراسة الحالية تعطينا معلومات مهمة عن الاستجابة خلال عام لكنها لا تستطيع وحدها أن تثبت أن خفض الكوليسترول الضار - LDL بهذه الطريقة سيؤدي فعلاً إلى تقليل النوبات القلبية والسكتات الدماغية على المدى الطويل. وهذا فرق جوهري بين : خفض رقم في تحليل الدم وإثبات حماية الإنسان من المرض.
الأول ظهر بالفعل في هذه البيانات.
أما الثاني فما زال يحتاج إلى سنوات من المتابعة ودراسات أكبر بكثير.
---
لكن هناك سؤال أخطر.. ماذا لو كان التعديل الجيني دائماً ؟
هنا تبدأ خصوصية العلاجات الجينية.
إذا تناولت دواءً يومياً ثم ظهرت مشكلة يمكن في كثير من الحالات إيقاف الدواء. أما عندما تقوم بتحرير جين داخل الخلية فإن الفكرة مختلفة. التعديل الجيني ليس دواءً يمكن إيقافه ببساطة بعد تناوله. ولهذا فإن نجاح العلاج لا يقاس فقط بقدرته على خفض LDL بل يجب أيضاً أن نعرف :
- هل حدث التعديل في المكان المطلوب فقط ؟ - هل توجد تعديلات غير مقصودة في أماكن أخرى من الجينوم ؟ - هل هناك تأثيرات طويلة المدى لا تظهر خلال عام واحد ؟ - هل يظل التعديل آمناً بعد سنوات ؟
هذه الأسئلة ليست تفاصيل جانبية بل هي جوهر تقييم أي علاج يعتمد على تحرير الجينات ولهذا تحتاج هذه العلاجات إلى متابعة طويلة الأمد وليس مجرد مراقبة المريض لعدة أشهر فقط.
---
الآثار الجانبية ..
حتى الآن النتائج المبكرة تبدو مشجعة من ناحية السلامة ولم تسجل الدراسة سمية مرتبطة بالعلاج أدت إلى إيقاف الجرعة خلال المتابعة المتاحة.
لكن هذا لا يعني أن العلاج ثبتت سلامته بشكل نهائي.
وهذه نقطة مهمة جداً في العلاجات الجديدة :
عدم ظهور مشكلة خطيرة في 15 شخصاً لا يعني أن احتمالها أصبح صفراً. نحن ببساطة لا نملك عدداً كافياً من المرضى لإكتشاف كل المخاطر النادرة بعد.
---
وللعلم فإن CTX310 ليس وحده في السباق ..
المثير للاهتمام أن هذه ليست المحاولة الوحيدة لتغيير جينات الدهون فهناك اتجاه آخر يستهدف جيناً مختلفاً تماماً : ( PCSK9 )
ومن أبرز الأمثلة العلاج التجريبي VERVE-102، الذي يستخدم تقنية مختلفة تسمى Base Editing بهدف تعطيل PCSK9 داخل الكبد.
وفي دراسة Phase 1b شملت 35 مشاركاً أدت أعلى جرعة من VERVE-102 إلى انخفاض في مستوي الكوليسترول الضار LDL-C بلغ نحو 62% مع استمرار التأثير خلال المتابعة ووصلت المتابعة إلى 18 شهراً لدى بعض المشاركين. وهنا نرى أن المستقبل لا يتجه نحو «دواء جيني واحد»، بل نحو مجموعة من الاستراتيجيات التي تحاول إعادة برمجة إستقلاب الدهون من جذورها.
---
أما نصيحتنا للمريض اليوم :
لا تنتظر علاجاً جينياً لا يزال تحت التجربة لتتعامل مع الكوليسترول الموجود لديك الآن.
ارتفاع LDL لا يزال يحتاج إلى تقييم وعلاج وفق درجة الخطورة الفردية وقد يشمل ذلك تعديلات في ( التغذية، والنشاط البدني، وخفض الوزن عند الحاجة، وأدوية الستاتينات أو غيرها من العلاجات المعتمدة حسب الحالة.)
أما العلاجات الجينية الجديدة فهي تمثل مستقبل البحث وليست بديلاً حالياً للعلاج التقليدي.
---
الخلاصة
لأول مرة نقترب بصورة أكثر واقعية من فكرة أن جرعة واحدة قد تستطيع تعديل جين داخل الكبد وإحداث تغيير طويل الأمد في استقلاب الدهون.
العلاج التجريبي CTX310 استهدف ANGPTL3، وأظهر بعد عام من جرعة واحدة انخفاضاً متوسطاً يقارب 53% في LDL-C ونحو 48% في الدهون الثلاثية عند أعلى جرعة، مع استمرار التأثير خلال سنة من المتابعة.
لكن الدراسة صغيرة والمرحلة ما زالت مبكرة ولم يثبت حتى الآن أن هذا الخفض سيترجم إلى حماية طويلة المدى من النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
لذلك لا ينبغي أن نقرأ الخبر باعتباره : «انتهى عصر العلاجات التقليدية الخافضة للكوليسترول مثل الستاتين».
بل باعتباره : «بدأ عصر جديد قد لا نكتفي فيه بخفض الكوليسترول.. بل نحاول إعادة كتابة الطريقة التي يصنع بها الجسم مشكلة الكوليسترول من الأساس».
وهنا بالضبط تكمن قوة الطب الجيني.. ليس في أن يعطينا دواءً أقوى فقط وإنما في أن يحاول تغيير القاعدة البيولوجية التي بدأ منها المرض.

بقلم د. سعيد عطية
فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلي متخصص في علم الأدوية والمكملات
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ في ١٢:٣٠ م
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.
أدوية
أدوية
الأدوية
الأدوية