المكملات الطبيعيهتمت المراجعة العلمية

مضادات الأكسدة.. عندما يتحول "إكسير الشباب" إلى سلاح قد ينقلب على خلاياك !

مضادات الأكسدة.. عندما يتحول "إكسير الشباب" إلى سلاح قد ينقلب على خلاياك !
مضادات الأكسدة تحمي الخلايا، لكن التوازن هو الأساس. يوفر الغذاء الطبيعي مضادات الأكسدة ضمن مكونات غذائية متكاملة، بينما قد يؤدي الإفراط في المكملات إلى اضطراب الوظائف الخلوية الطبيعية.
د. سعيد عطية

بقلم د. سعيد عطية

فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلي متخصص في علم الأدوية والمكملات

تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو

في ١٤ يوليو ٢٠٢٦ في ١:٣٠ م

أهم النقاط

  • الجذور الحرة ضرورية للمناعة والتواصل بين الخلايا وإصلاح الأنسجة.
  • المشكلة تكمن في اختلال التوازن التأكسدي، وليس في وجود الجذور الحرة بحد ذاتها.
  • الإفراط في مكملات مضادات الأكسدة قد يعطل بعض الوظائف الفسيولوجية الطبيعية دون تحقيق فوائد إضافية.
  • يبقى الغذاء المتوازن الغني بالخضراوات والفواكه أفضل مصدر لمضادات الأكسدة، وتُستخدم المكملات فقط عند وجود داعٍ طبي.

مضادات الأكسدة.. عندما يتحول "إكسير الشباب" إلى سلاح قد ينقلب على خلاياك !

في عالمٍ يلهث وراء "ينبوع الشباب الدائم"، نجحت الحملات التسويقية للمكملات الغذائية في ترسيخ فكرة تبدو بديهية: كلما زادت مضادات الأكسدة، ازدادت الصحة وطال العمر.

من كبسولات فيتامين (E)، إلى الجرعات المرتفعة من فيتامين (C)، وصولاً إلى الجلوتاثيون والريسفيراترول... أصبحت مضادات الأكسدة تُقدَّم للجمهور باعتبارها الفارس الذي يقضي على "الجذور الحرة" (Free Radicals)، ويحافظ على الشباب ويمنع الأمراض.

لكن البيولوجيا لا تسير دائماً وفق المنطق التسويقي.

فالعلم الحديث كشف أن محاولة القضاء على الجذور الحرة بالكامل، أو تناول جرعات مرتفعة من مضادات الأكسدة دون داعٍ طبي، قد تخل بالتوازن الطبيعي داخل الخلايا، بل قد ترتبط في بعض الحالات بنتائج صحية غير مرغوبة.

الجذور الحرة... ليست عدواً كما نتصور

ترتبط الجذور الحرة في أذهان كثير من الناس بتلف الخلايا والشيخوخة، وهذا صحيح جزئياً.

فهي جزيئات شديدة التفاعل تنتج بصورة طبيعية أثناء عمليات إنتاج الطاقة داخل الخلايا، كما تتولد نتيجة التعرض للتلوث أو التدخين أو الأشعة فوق البنفسجية وغيرها.

وعندما ترتفع مستوياتها بصورة مفرطة، قد يحدث ما يُعرف بالإجهاد التأكسدي (Oxidative Stress)، وهو أحد العوامل المرتبطة بتلف البروتينات والدهون والحمض النووي (DNA).

لكن المفاجأة أن الجسم لا يسعى إلى التخلص من الجذور الحرة بالكامل.

فهذه الجزيئات تؤدي وظائف فسيولوجية مهمة، إذ تعمل كجزيئات إشارية (Signaling Molecules) تُشارك في تنظيم العديد من العمليات الحيوية، مثل التواصل بين الخلايا، والاستجابة المناعية، والقضاء على بعض الميكروبات، والمساهمة في تنظيم آليات إصلاح الأنسجة.

لذلك، فالمشكلة ليست في وجود الجذور الحرة، وإنما في اختلال التوازن بينها وبين أنظمة الدفاع المضادة للأكسدة داخل الجسم.

عندما تتحول الجرعات المرتفعة إلى مشكلة

يمتلك الجسم منظومة دقيقة للحفاظ على هذا التوازن.

لكن تناول جرعات كبيرة من مضادات الأكسدة لفترات طويلة، خاصة في صورة مكملات غذائية دون وجود نقص مثبت أو داعٍ طبي، قد يُخل بهذه المنظومة.

ويشير بعض الباحثين إلى أن الإفراط الشديد قد يؤدي إلى حالة تُعرف باسم الإجهاد الاختزالي (Reductive Stress)، وهي حالة يقل فيها النشاط التأكسدي الطبيعي بصورة قد تؤثر في بعض الإشارات الخلوية اللازمة لوظائف الجسم الطبيعية.

ورغم أن هذا المفهوم لا يزال محل دراسة في بعض الجوانب، فإنه يعكس حقيقة مهمة، وهي أن الإفراط ليس دائماً أفضل من الاعتدال.

ماذا تقول الدراسات السريرية؟

فيتامين (E)... عندما لا تعني الجرعة الأعلى حمايةً أكبر

اعتُقد لسنوات أن الجرعات المرتفعة من فيتامين (E) قد تقلل خطر أمراض القلب أو بعض أنواع السرطان.

لكن نتائج عدد من الدراسات السريرية الكبيرة، مثل دراسة HOPE ودراسة SELECT، لم تؤكد هذه الفوائد، بل أظهرت أن تناول الجرعات المرتفعة من مكملات فيتامين (E) لم يوفر الحماية المتوقعة، وارتبط في بعض الدراسات بزيادة خطر الإصابة بسرطان البروستاتا أو بارتفاع خطر السكتة الدماغية النزفية لدى بعض الفئات.

ولا يعني ذلك أن فيتامين (E) ضار بطبيعته، وإنما يؤكد أن تناوله بجرعات مرتفعة دون داعٍ طبي ليس خالياً من المخاطر.

فيتامين (C)... هل الجرعات الضخمة أفضل دائماً؟

يحرص كثير من الرياضيين على تناول جرعات كبيرة من فيتامين (C) بعد التمارين الشاقة اعتقاداً بأنه يُسرّع التعافي.

لكن بعض الدراسات تشير إلى أن الجرعات المرتفعة من مضادات الأكسدة قد تُضعف بعض التكيفات الفسيولوجية الطبيعية التي تحدث بعد ممارسة الرياضة، لأنها قد تقلل الإشارات التأكسدية التي تُحفز العضلات على التكيف وزيادة كفاءتها.

كما أن الإفراط المزمن في تناول فيتامين (C)، خاصة لدى الأشخاص المعرَّضين لذلك، قد يزيد من خطر تكوّن حصوات أوكسالات الكالسيوم في الكلى.

لماذا يختلف الطعام عن الكبسولات؟

قد يتساءل البعض:

إذا كانت الجرعات المرتفعة من مضادات الأكسدة ليست دائماً مفيدة، فلماذا ينصح الأطباء بالإكثار من الخضراوات والفواكه؟

الإجابة تكمن فيما يُعرف بـ المصفوفة الغذائية (Food Matrix).

فالفيتامينات الموجودة في الغذاء الطبيعي لا تأتي منفردة، وإنما تكون مصحوبة بمئات المركبات النباتية النشطة، مثل البوليفينولات، والفلافونويدات، والكاروتينات، إضافة إلى الألياف والمعادن والعناصر الغذائية الأخرى.

وتعمل هذه المركبات معاً بصورة متكاملة، كما توجد بتراكيز متوازنة يمتصها الجسم تدريجياً، مما يساعد على الحفاظ على الاتزان الفسيولوجي (Homeostasis).

أما المكمل الغذائي، فيحتوي غالباً على مركب واحد أو عدد محدود من المركبات بتركيزات أعلى بكثير مما يوجد في الغذاء الطبيعي، ولهذا قد تختلف استجابة الجسم له.

الخلاصة

ليست الجذور الحرة شراً مطلقاً، وليست مضادات الأكسدة خيراً مطلقاً.

فالخلايا تحتاج إلى الاثنين معاً في حالة من التوازن الدقيق.

ولهذا، فإن أفضل مصدر لمضادات الأكسدة يظل النظام الغذائي المتوازن الغني بالخضراوات والفواكه والحبوب والبقوليات، بينما ينبغي استخدام المكملات الغذائية عند وجود داعٍ طبي واضح أو نقص مُثبت، ووفقاً لتوصية الطبيب أو الصيدلي.

فالطب الحديث لم يعد يؤمن بمنطق "كلما زادت الجرعة كانت الفائدة أكبر"، بل يؤكد حقيقة أكثر دقة:

في التغذية كما في الدواء... التوازن هو سر الصحة، أما الإفراط فقد يأتي بنتائج عكسية.

النشرة البريدية

اشترك للحصول على أحدث المقالات

احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.

لن نرسل رسائل مزعجة.

مقالات ذات صلة