

بقلم د. سعيد عطية
فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلي متخصص في علم الأدوية والمكملات
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١١ يوليو ٢٠٢٦ في ٣:٠٠ ص
كيف تتحول الفيتامينات المركزة إلى سموم خفية في أجسادنا؟
في السنوات الأخيرة، أصبحت المكملات الغذائية جزءًا من الروتين اليومي لدى كثير من الناس، حتى ترسخت لدى البعض قناعة مفادها أن تناول جرعات أكبر من الفيتامينات يعني صحة أفضل وطاقة أكبر ومناعة أقوى. لكن الحقيقة أن جسم الإنسان لا يعمل بهذا المنطق. فكما أن نقص الفيتامينات قد يسبب مشكلات صحية، فإن الإفراط في تناول بعضها قد يؤدي أيضًا إلى آثار ضارة، خاصة إذا استُخدمت بجرعات مرتفعة ولفترات طويلة دون وجود حاجة طبية أو متابعة مخبرية. وتبرز هذه المشكلة بصورة أوضح مع الفيتامينات الذائبة في الدهون، والتي يُعد فيتامينا A و D من أشهر أمثلتها.
لماذا قد تصبح بعض الفيتامينات مشكلة؟
تنقسم الفيتامينات إلى مجموعتين رئيسيتين:
فيتامينات ذائبة في الماء، مثل فيتامين C ومجموعة فيتامينات B، والتي يستطيع الجسم التخلص من جزء كبير من فائضها عبر البول.
فيتامينات ذائبة في الدهون، مثل A وD وE وK، والتي تُخزن بدرجات متفاوتة في الكبد والأنسجة الدهنية، ولذلك فإن الإفراط في تناولها لفترات طويلة قد يؤدي إلى تراكمها تدريجيًا وزيادة خطر السمية.
ولهذا، فإن هذه الفيتامينات لا تُعد خطيرة في حد ذاتها، وإنما تكمن المشكلة في الجرعات المرتفعة والمستمرة التي تتجاوز احتياجات الجسم.
- فيتامين (A)... عندما يتحول الضروري إلى ضار
يؤدي فيتامين A (الريتينول) دورًا أساسيًا في الحفاظ على الرؤية، وتجدد الخلايا، ودعم الجهاز المناعي. لكن الإفراط في تناوله، خاصة في صورة المكملات عالية التركيز، قد يؤدي إلى ارتفاع مستوياته في الجسم، وهو ما قد يسبب تأثيرات سامة على عدد من الأعضاء. ومع التعرض المزمن لجرعات مرتفعة، قد تتأثر خلايا الكبد، وقد يؤدي ذلك إلى تنشيط الخلايا المسؤولة عن ترسب الكولاجين، مما قد يساهم مع الوقت في حدوث تليف كبدي. كما قد ترتبط الجرعات المرتفعة جدًا بارتفاع الضغط داخل الجمجمة، وهي حالة قد تسبب صداعًا شديدًا، وتشوشًا في الرؤية، وأعراضًا عصبية تستدعي التقييم الطبي.
- فيتامين (D)... عندما يختل توازن الكالسيوم
رغم أن فيتامين D يُعرف باسم "الفيتامين"، فإنه يعمل داخل الجسم أيضًا كمنظم هرموني مهم لتوازن الكالسيوم والفوسفور. ومع تزايد الوعي بنقص فيتامين D، أصبح كثير من الأشخاص يتناولون جرعات علاجية مرتفعة، مثل 50,000 وحدة دولية، دون إجراء التحاليل اللازمة أو الالتزام بالمدة التي يحددها الطبيب. ولا تكمن الخطورة في الفيتامين نفسه، بل في أن ارتفاع مستوياته بصورة مفرطة قد يؤدي إلى فرط كالسيوم الدم (Hypercalcemia). وقد يترتب على ذلك ظهور أعراض مثل الغثيان، وفقدان الشهية، والإمساك، وزيادة الشعور بالعطش، وكثرة التبول. وفي الحالات الشديدة أو عند استمرار الارتفاع لفترات طويلة، قد يترسب الكالسيوم في بعض الأنسجة الرخوة، مثل الكلى، مما يزيد من خطر تكوّن الحصوات ويؤثر في كفاءتها، كما قد يمتد الترسب إلى أنسجة أخرى في الجسم.
علامات قد لا ينتبه إليها كثيرون تكمن خطورة الإفراط في تناول الفيتامينات في أن أعراضه قد تكون غير محددة في بدايتها، فيظن الشخص أنها ناتجة عن الإرهاق أو ضغوط الحياة اليومية. ومن هذه الأعراض: الغثيان.
- فقدان الشهية.
- الإمساك.
- الصداع.
الشعور بالخمول.
ضعف العضلات.
العطش المستمر.
كثرة التبول.
ولذلك، فإن استمرار هذه الأعراض لدى شخص يتناول مكملات بجرعات مرتفعة يستدعي مراجعة الطبيب وإعادة تقييم الحاجة إلى هذه الجرعات.
كيف نستخدم المكملات بأمان؟
تعتمد الممارسة الطبية الحديثة على مبدأ بسيط: لا تُستخدم الجرعات العلاجية المرتفعة إلا عند وجود سبب واضح. ولهذا، يُفضل قياس مستوى الفيتامين عند الحاجة، ثم تحديد الجرعة المناسبة ومدة العلاج وفق نتائج التحاليل والحالة الصحية، مع الالتزام بالحدود العليا الآمنة للاستهلاك عندما يكون ذلك مناسبًا. كما أن الحصول على الفيتامينات من خلال نظام غذائي متوازن يظل الخيار الأكثر أمانًا في معظم الحالات، لأن الجسم يمتلك آليات تساعد على تنظيم امتصاص العناصر الغذائية الموجودة في الطعام بصورة أفضل من الاستخدام العشوائي للمكملات عالية التركيز.
الخلاصة
المكملات الغذائية ليست بديلًا عن الغذاء الصحي، وليست أكثر فائدة كلما زادت جرعتها. فالفيتامينات عناصر ضرورية للحياة، لكن الإفراط في تناول بعضها قد يحول فائدتها إلى ضرر، خاصة مع الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل A و D. ولهذا، فإن الاستخدام الآمن للمكملات يبدأ من سؤال بسيط: هل أحتاج إليها بالفعل؟
ففي الطب، ليست الجرعة الأكبر هي الأفضل دائمًا، وإنما الجرعة المناسبة للشخص المناسب وفي الوقت المناسب.

بقلم د. سعيد عطية
فريق التطوير العلمي بهيلث ناتو | صيدلي متخصص في علم الأدوية والمكملات
تمت مراجعة المعلومات الواردة بواسطة الفريق العلمي بهيلث ناتو
في ١١ يوليو ٢٠٢٦ في ٣:٠٠ ص
احصل على آخر الأخبار والمقالات الصحية مباشرة إلى بريدك الإلكتروني.
لن نرسل رسائل مزعجة.